الفصل الخامس "العبور الأخير "
عاد عَلِيِّ مرة أخرى إلى عالم أزوريا، لكن هذه المرة، كانت المفاجأة أكبر من توقعاته. وجد
نفسه واقفًا في نفس المكان الذي غادره تمامًا، بالقرب من كهف زُهير، وكانت الشمس الثانية
لا تزال في منتصف السماء. نظر حوله بذهول، الوقت لم يمر هنا على الإطلاق! إن بوابة
الكتاب تعمل بطريقة غريبة وغير مفهومة، تربط لحظة الدخول بلحظة الخروج بغض النظر عن
المدة التي قضاها في أي من العالمين.
كان زُهير لازال يجلس أمام كهفه، وعلى وجهه علامات الدهشة لرؤية عَلِيِّ مرة أخرى بهذه السرعة. فالمشهد بالنسبة لزُهير
أنه قام بتوديع صديقه، ثم تبع ذلك اختفاء عَلِيِّ ثم
ظهوره بعد لحظة واحدة.. المفاجأة ألجمت لسانه بحق، فأخذ يفرك عينيه غير مصدق ما يراه.
شرح عَلِيِّ لزُهير ما اكتشفه، وكيف أن الوقت يتوقف في أزوريا عندما يذهب لعالمه، وبالمثل
يتوقف في عالمه عندما يأتي إلى أزوريا.
عقد زُهيرما بين حاجبيه ونظر لعَلِيِّ بقلق قائلاً:
- هذا أمر خطير
يا عَلِيِّ اللعب بالزمن بهذه الطريقة قد يكون له عواقب وخيمة لا تتخيلها. يجب أن تكف
عن المجيء إلى هنا، على الأقل حتى تفهم كل شيء حول الكتاب الأسود.
نظر عَلِيِّ إلى صديقه وقد عاد إليه الخوف من جديد وقال:
- جدي أيضا قال
لي كلامك بالضبط، أنا في حيرة من أمري، فمن ناحية الخوف يجعلني أتردد في المجيء
إلى هنا، لكن في النهاية لا أستطيع منع نفسي من عبور البوابة، فالأمر بالنسبة لي
أصبح إدماناً.
ربت زُهير على
كتف صديقه وقال له ناصحاً:
- يا صديقي أنا
أخاف عليك. لا تنساق وراء رغباتك فقد تورد نفسك موارد التهلكة.
شعر عَلِيِّ
بالإحباط يغلفه وقال محاولاً إثبات أن زُهيراً على خطأ:
- لا أعلم سبب
لخوفك هذا. إنني أمامك بخير ولم يصبني أي ضرر.
حاول زُهير
إثناء عَلِيِّ عن المضي قدماً في عبور البوابة بين مصر وأزوريا لكنه لم يستطع منعه،
فقد استمر
عَلِيِّ في التنقل بين العالمين. كان يعود إلى أزوريا كلما إكتمل القمر، ويقضي فيها
أيامًا يساعد سكانها ويقدم لهم معرفته. كان يعالج أمراضهم ويجد حلولًا لمشاكلهم، ويتلقى
في المقابل "دموع الشمس" الذهبية التي كان ينقلها بحذر إلى عالمه الأصلي
ويدخرها.
في القاهرة، كان عَلِيِّ يتعامل بحذر مع ثروته الجديدة، يحاول ألا يلفت الأنظار
إليه. خصوصا بعد موقف سارة منه عندما عرض عليها الزواج، واتهامها له بالانحراف عن
الطريق القويم.
أما في أزوريا، فقد أصبح عَلِيِّ شخصًا ذا مكانة كبيرة. كان السكان يحترمونه ويقدرون
مساعدته لهم وعلى رأسهم الشيخ روهان زعيم أزوريا.
وكان يشعر هنا بقيمة لم يشعر بها قط في حياته الرتيبة في القاهرة. لكنه كان دائمًا يتذكر زُهير وكلماته التحذيرية حول خطورة التنقل المستمر.
في إحدى الليالي التي قضاها عَلِيِّ في أزوريا، قرر أن يستشير شيخ القبيلة "روهان"
بشأن الكتاب ورموزه الغريبة. كان يعلم بحكمة الشيخ ومعرفته العميقة بتقاليد أزوريا
وأسرارها. حمل عَلِيِّ الكتاب وتوجه إلى خيمة الشيخ.
استقبل الشيخ "روهان" عَلِيِّ بابتسامة واسعة وقال له:
- أهلا بك يا عَلِيِّ ومرحباً، هل لك حاجة فألبيها أم إنك جئت
إلى زائراً.
تردد عَلِيِّ للحظة ثم أخرج الكتاب الأسود اللامع وعرضه على الشيخ روهان ثم قال:
- تحياتي لك يا شيخ روهان.. أنت تعلم تمام العلم أنى غريب، أتيت لكم من
عالم آخر، وهذا الكتاب هو بوابتي إليكم ، وقد حذرني جدى وصديقي زُهيرمن مغبة
التنقل بين العالمين دون معرفتي الكاملة بالكتاب، لأن هذا قد يوردني موارد
التهلكة، وقد بذلت قصارى جهدي لفك طلاسم الكتاب لكن الفشل كان لي بالمرصاد فقررت
اللجوء إليك لعلك تساعدني بحكمتك ورجاحة عقلك.
نظر الشيخ روهان إلى عَلِيِّ نظره عميقة، ثم مد يديه وأخذ منه الكتاب،
مر بأصابعه فوق رموز الغلاف ثم فتحه، ودار بعينيه فوق كلماته، مرت فترة من الصمت
قبل أن يتكلم الشيخ:
- هذا الكتاب
مكتوب بلغة آزورية قديمة لم تعد مستخدمة الآن.
غلفت الدهشة عَلِيِّ
فاتسعت عيناه وابتلع ريقه قبل أن يسأل الشيخ :
- إذن الكتاب
من أزوريا، لكن كيف جاء إلى عالمي ؟
ابتسم الشيخ
روهان ابتسامة غامضة وقال لعَلِيِّ .. استمع
لما سأقوله لك ولا تقاطعني :
- منذ زمن بعيد
كان جدي الأكبر الشيخ سيرون يحكم أزوريا، كان مولعا بعلوم العوالم الموازية وكان لديه
من الحكمة والعلم والبصيرة ما جعله يكتب هذا الكتاب ويزوده بالطلاسم والرموز ليكون
بوابة للعبور إلى أقرب عالم لأزوريا " بلدك مصر " وبالفعل نجح فى ذلك واستطاع
أن يكون أول عابر بين العوالم الموازية . أخذ ينهل من علوم بلدكم مصر ويجمع الكثير
من العينات، فعل كل هذا بحذر واستطاع التخفي حتى لا يقع فى أيدى المصريين ، لكن مع
كثرة التنقل بين العالمين بدأ يشعر بأعراض مرضية تجتاح جسده كالصداع والأرق الشديد
وفقدان الوزن ، فأدرك خطورة ما يفعله لذلك قرر الرجوع لبلده وتدمير البوابة ، ولأنه
بذل جهداً مضنياً حتى أخرج هذا الكتاب فى أفضل صورة تراجع عن فكره تدميره وقرر أن
يخفيه فى مكان سرى لا يعلمه أحد غيره . وعندما شعر بقرب أجله جمع أبناؤه وقص عليهم
مغامراته بين العوالم الموازية وحذرهم تحذيراً شديداً من محاولة البحث عن الكتاب واستخدامه.
أصغى عَلِيِّ باهتمام
لكل ما قاله الشيخ روهان ثم تسائل قائلاً .
- اذن من المنطقي
أن يكون الكتاب الأصلي لازال في أزوريا ، فما الذى جلبه الينا فى مصر؟
ابتسم الشيخ
روهان ابتسامته الغامضة المعتادة وقال :
- كما ذكرت كتب
التاريخ فى أزوريا فإن الكتاب الأصلي قد وقع فى يد أحد أبناء "سيرون"
وقرر استخدامه بدافع الفضول ، وقبل أن يعبر البوابة قام بكتابة رسالة ذكر فيها ما
إنتوى فعله ووضعها بين متعلقاته . ولكنه ذهب ولم يعد ولا أحد يعلم ماذا حدث له هناك،
فمن الممكن ان يكون سُرق منه الكتاب وعَلق فى بلدكم للأبد أو حتى تعرض لحادث أدى
إلى وفاته.
نظر عَلِيِّ
إلى الشيخ في حيرة وأخذ نفس عميق وغطى وجه بكفيه ثم إنهار باكياً ..رق حاله للشيخ
روهان فقال مواسياً :
- أعرف يا بنى
ما يعتمل فى صدرك من صراع ولا أنكر أنك قد أسديت لنا الكثير من المعروف ، لكن نصيحتي
لك فى الأخير أن تقرر هل تريد البقاء هنا أو تعود بشكل نهائى إلى موطنك وتنسى أمر
أزوريا إلى الأبد .. هل عندك أسئلة أخرى تود طرحها عَلِيِّ ؟
أو مأ على
برأسه وقال :
- نعم يا شيخ
روهان .. أريد أن أفهم سبب وجود نسخة أخرى من الكتاب
الأسود والتى فى حوزة زُهيرالآن ؟
عقد الشيخ بين حاجبيه وقال فى إهتمام :
- لا أعرف يا بنى على وجه التحديد ، لكن من الممكن أن الشيخ سيرون قد صنع
نسخة احتياطية للكتاب ، كنوع من الإحتياط ، فكما شرحت لك من قبل أن إعداده للكتاب
قد أخذ منه الكثير من الجهد والتعب.
ألقى الشيخ جملته الأخيرة وقام معلنا عن رغبته فى النوم والتماس بعض الراحة
. نهض عَلِيِّ بالتبعية وقال وهو
يلتمس من الشيخ في سؤال أخير :
- معذرةً يا شيخ روهان أعلم أنى قد أثقلت عليك اليوم ولكنى أريد أن أسئلك
سؤالاً أخيراً قبل أن أرحل.. أنا عبرت من بوابة الكتاب حتى الآن حوالى خمسة عشر
مرة ولم أشعر بأى إعياء او تعب ، فهل هناك مخاطر أخرى للكتاب غير تأثيره على الصحة
؟
أخذ الشيخ نفس عميق وأخرجه دفعة واحدة ثم أجاب عَلِيِّ قائلاً .
- لا أعرف على وجه الدقة أن للكتاب تأثير خطير غير التأثير على الصحة
العامة للعابر ولكنى أكاد أن أجزم أن عبور بوابات الأبعاد بشكل متكرر قد يسمح
لكائنات غير مرغوب فيها أن تعبر إلى أى من العالمين .. اتمنى لك يا عَلِيِّ الخير واتخاذ القرار المناسب لك... فى رعاية الله يا بنى .
قال الشيخ جملته الأخيرة واستدار ودخل خيمته وترك على تائهاً لا يعرف ما القرار
الأصوب الذى عليه فعله .
****
عاد عَلِيِّ إلى خيمة صديقه زُهير
وجلس ثم أن أسند ظهره إلى الشجرة المجاورة للخيمة ضاماً ساقيه إلى صدره وأسبل عينه
وصراعاً يعتمل داخل رأسه عندما أقبل صديقه من داخل الخيمة يتساءل ماذا حل به ؟
أخذ عَلِيِّ نفس عميق ثم فرد ساقيه
وطفق يقص على زُهير ما دار بينه وبين الشيخ روهان. استمع زُهير لكل ما قاله صديقه
ثم مد إليه يده لينهض وطلب منه أن يتنزه معه في الغابة لكى ينعم بصفاء ذهني فلازال
أمامه شهر كامل قبل أن يقرر قراره الأخير .
سار على مع صديقه وكأن قدماه تسيران بدون إرادة منه، وفجأة وجد نفسه يسقط
فى هوة من الظلام الحالك .
فوجئ زُهير بعَلِيِّ يفقد وعيه فنادى على أحد السكان المحليين حتى يعاونه على حمل عَلِيِّ إلى خيمته .
مر يوم كامل وعَلِيِّ فاقداً للوعي وجسده مشتعل من الحمى. حاول زُهير علاجه بالأعشاب التقليدية
فى أزوريا لكنه لم يفلح فهرع إلى الشيخ روهان ليأخذ مشورته فيما حل بصديقه .
استأذن زُهير ودخل إلى الشيخ روهان فى خيمته ممتقع الوجه وقال وهو مرتعش الصوت:
- أدركني يا شيخ روهان ، عَلِيِّ صديقي فاقد الوعى منذ أمس يعانى من الحمى ولا
يستجيب لأعشابنا المعتادة لخفضها .
اتسعت عينا الشيخ في انزعاج وطلب من زُهير أن ينتظر بضع دقائق حتى يجهز
حقيبته ليذهب معه ليرى ما حل بعَلِيِّ .
رأى الشيخ
عَلِيِّاً ممدداً على سرير في خيمة زُهير وقد اشتعل جسده بالحمى ، فجلس إلى جواره
وأخذ يفحص عينيه ، فتسائل زُهير وقد نهشه القلق على صديقه :
- هل هناك أمل
في الشفاء ؟
هز الشيخ رأسه
في أسى وقال وهو يبلل قطعه قماش بماء بارد ويضعها على رأس على .
- العلم عند
الله ، أنا لم تمر على حالة كتلك ولكنى قرأت فقط في كتب التاريخ ما حل بجدى من مرض
. من الواضح أن مرضه نتيجة عبوره المتكرر من وإلى أزوريا ، استمر في تبريد جسده ، ودعني
أعود إلى كتب التاريخ لعلى أجد دواءاً لحالة صديقك .
.png)

Comments
Post a Comment