الغرفة رقم 13



    


لم تكن "نورا" تؤمن بالخرافات، ولا تعبأ بلعنات الأرقام، لكنها كانت تقف الآن أمام الباب رقم (13)، وكأن الزمن توقف ليختبر مدى شجاعتها.
الباب صدئ، الرقم مرسوم بخط أسود متعرج كأنما كُتب بيد مرتجفة. لقد جاءت إلى هنا بسبب رسالة من والدتها الراحلة
كانت قدعثرت عليها في دولاب ملابس والدتها أسفل طيات الملابس داخل ظرف قديم مكتوب عليه:
" يفتح بعد موتى " 
فضت الغلاف وقرأت السطور في لهفة
- ابنتي الحبيبة .. لم أجرؤ على مواجهتك بالحقيقة وأنا بعد على قيد الحياة .. أرجو أن تسامحيني. إذا أردت معرفة الحقيقة توجهي إلى العنوان المكتوب أسفل الخطاب وابحثى عن الغرفة رقم 13 .
دفعتها العبارة إلى هذا المكان، مبنى طلابي مهجور كانت أمها تقيم فيه أيام الدراسة.
فتحت الباب بعناء. صرير المعدن شقّ سكون الممر، وانفتحت الغرفة أخيراً.
كانت الغرفة مضاءة بضوء خافت ، تسلل إلى الغرفة من خلال نافذة مهدمة. الجدران مغطاة بصور بالية تآكلت ملامحها.على يمين الغرفة سرير تعلوه طبقة من التراب بينما تسلق على الجدار نسيج عنكبوت حتى النافذة المكسورة ، على يسار الغرفة دولاب ملابس معدنى أكله الصدأ كما أكل باب الغرفة . في المنتصف، طاولة خشبية يحيط بها أربعة كراسٍ أحدهما مكسور ساقط على أرض فى إهمال .. فتحت الدولاب المعدنى فوجدت فى داخله صندوق خشبى صغيرمدسوس بين بضع ملابس قديمة
نجحت في فتح الصندوق بعد معاناة ، ووجدت بداخله رسالة بخط والدتها.وصورة أشعه قديمة مع تقرير طبى .
دارت عينيها بين السطور في لهفة .
"إذا قرأت هذا، فاعلمي أن ما عشته لم يكن سوى جزء من حياتك ، فالست سنوات الأولى من عمرك ليست موجودة في ذاكرتك بسبب حادث قديم لم تتحمله طفولتك البريئة ...فقدت ذاكرتك وبعد ذلك تغير كل شيء . ارجو أن تذهبي إلى مرسم السيدة منال إذا كانت لديك استفسارات أخرى"
إنتهت الرسالة لتلقى نورا في هوه سحيقة ليس لها نهاية ، وضعت جهاز الكاسيت جانبا وقرأت اسمها أعلى التقرير الى جانب تاريخ يعود إلى عشرين سنة ... حاولت بعناء فهم التقرير فلم تفلح فقامت بتصويره بهاتفها المحمول وأرسلته إلى برنامج الذكاء الاصطناعي .
ثوان وحصلت على النتيجة التي لم تختلف كثيرا عما قالته أمها في رسالتها.
" فقدان ذاكرة نتيجة لصدمة عصبية حادة "
أخذت محتويات الصندوق في عجاله وألقت بها في حقيبتها وخرجت من الغرفة قاصدة مرسم السيدة منال .
كان هناك ألف سؤال وسؤال يدور في رأسها ، كادت الأرض أن تميد بها .. تمالكت نفسها محاولة السيطرة على مشاعرها، بينما يحدوها الأمل أن تجد إجابات أسئلتها عند السيدة منال صديقة أمها المقربة وزميلتها في الدراسة .
السيدة منال.. تتذكرها جيدا، آخر مرة رأتها عندما أتت لتبارك لها نجاحها وقت التخرج، وقد أحضرت لها هدية عبارة عن رسمة جميلة لها بالفحم، لكنها لم تراها ولم تسمع عنها منذ ذلك الحين..
عندما وصلت إلى المرسم، رنت الجرس مرة ثم مرة، لكن لم تجد استجابة ، ثم لاحظت وجود قفل أعلى الباب وكتلة من الشمع الأحمر.
وقفت لحظات والحيرة تغلفها، وسؤال يلح عليها ولكن دون أن تهتدى لإجابته ...
" ماذا أفعل الآن ومن أين أبدأ.. ولماذا هذا الشمع الأحمر.. هل حدثت هنا جريمة سطو؟ "
وبينما هي واقفة تفكر في الخطوة القادمة ، سمعت وقع أقدام صاعدة المبنى ، ثم ظهرت سيدة أربعينية تحمل في يدها كيس من المشتريات ، نظرت إليها بحيرة ثم سألتها :
- " من أنت؟ وماذا تفعلين هنا؟
أمطرت نورا السيدة بوابل من الأسئلة، كانت تمثل لها قشة أمل لتصل إلى شيء من الحقيقة :
- " أين السيدة منال؟ هل سافرت منذ فترة؟ هل هي مريضة ؟ هل ماتت ؟ .. أجيبينى من فضلك أريدها في مسألة حياة أو موت ."
أجابتها السيدة بطريقة سؤال بسؤال . هؤلاء الناس ، الذين تصادفهم وتعتبرهم ملجأ لكنهم يزيدوا من حيرتك ويضيفوا فوق همك هماً :
- " من أنت أولا؟ ولماذا تسألين عن القتيلة؟ أنت من المؤكد شريكة في الجريمة ؟ لن ترحلي قبل أن أتصل بالشرطة ."
أنهت جملتها ثم أحكمت قبضتها حول يدها ونادت على شخص ما في الأعلى بصوتٍ يخرق طبلة أذنك بلا رحمة :
- " شريف.. يا شريف "
لم تستوعب نورا ما يحدث لها ، لكنها حاولت التملص من السيدة ، لكن الأخيرة زادت قبضتها حول يدها بشكل مؤلم بينما أتى صوتا من أعلى متبوعاً بوقع أقدام هابطة حتى إستقر صاحب الصوت أمامها."
-" ماذا هناك يا مفيدة ؟ ومن تلك الفتاة ؟ "
قالت السيدة متعجلة :
- " لا يوجد وقت للإجابة على أسئلتك ؟ دعنا نصحبها للأعلى "
صعدوا بنورا للشقة العلوية وهي تبكي وتقاوم ثم قالت السيدة مفيدة بلهجة آمرة:
- " تحفظ عليها حتى نتصل بالشرطة "
****
 فجأة وجدت نورا نفسها في قسم الشرطة تجلس أمام ضابط المباحث حائرة ، لا تفهم ولا تصدق ما يحدث لها .. أفاقت على صوت الضابط يوجه لها الأسئلة المعتادة فأجابته قائلة:
-إسمي نورا محسن غريب .. 26 سنة .. خريجة كلية التجارة كنت أعمل محاسبة في مكتب استاذ محمود عفيفي في محطة الرمل لكن منذ مرض أمي تركت العمل لأتفرغ لرعايتها .
-وما هو مصدر دخلك الآن؟
- أحصل على معاش أبى وأمي رحمهما الله .
-  ما علاقتك بالسيدة منال ؟
قصت نورا عليه كل شيء من بداية رسالة أمها حتى الغرفة رقم 13 مروراً بوصية أمها لها أن تذهب للسيدة منال لمعرفة حقيقة ما حدث لها، أنهت كلامها ثم أيدته بإخراجها لكل ما وجدته في الصندوق ووضعته أمام الضابط .
نظر الضابط باهتمام للأشياء وتفقدها بعناية ثم نادى على معاون المباحث وأمره أن يتحفظ على الأدلة ويضمها إلى ملف القضية ثم عاود الحديث مع نورا:
- " إذن أنتئ لم ترى القتيلة من قرابة الست سنوات .. احكى لي عن والدتك الراحلة وكيف كانت علاقتك بها وهل والدك على قيد الحياة ."
حاولت نورا أن تتماسك فأخذت نفساً عميقاً ثم قالت:
- " أبى توفى منذ كنت صغيرة وأمي تخرجت في كلية الفنون الجميلة ، كانت تعمل مصممة للديكور في شركة كبيرة ، كانت أماَ حنونة حاولت بجهد أن تعوضني عن فقد الأب لكن المرض اختطفها منى في النهاية "
استمع لها الضابط باهتمام وألقى سؤالا آخر :
- " احكى لي عن محيط معارف والدتك . "
- " مسقط رأس أمي محافظة طنطا، أتت إلى الإسكندرية لتدرس وأثناء دراستها تقدم لها معيدا وتزوجها ثم أنجباني ، لم تعود إلى بلدتها  بعد وفاة أبى. لذا كل معارف أمي لا تخرج عن الجيران وزملائها في العمل."
أنهى الضابط التحقيق مع نورا مشددا عليها عدم التفوه بأي كلمه لكائن من كان .
بينما نهضت نورا من مكانها بعد توقيعها على أقوالها.
فأكمل الضابط:
- " لست في حاجة للتنبيه عليك بعدم السفر حتى إغلاق القضية."
أومأت برأسها وانصرفت يتبعها ألف سؤال.
***
عادت نورا إلى منزلها وهي تعاني من الإجهاد وقلة النوم، كان رأسها فارغا ولا تعرف من أين تبدأ، لكنها أدركت إنها لن تصل لشيء وجسدها منهك وعقلها يحتاج للراحة والنوم فاتجهت إلى سريرها وألقت بجسدها فوقه، فلم تكن إلا لحظات وسقطت في سبات عميق.
فتحت عينيها ومدت يدها إلى هاتفها المحمول لتعرف الوقت فإذا بشاشته تعلن عن السابعة. تساءلت لقد نامت أمس في الساعة الثانية عشرة ليلا، لماذا تشعر أنها نامت فترة طويلة جدا، توجهت للنافذة لتحرك ستارتها الثقيلة جانباً متوقعة ضوء شروق الشمس لكنها فوجئت بالغروب، فأدركت أنها نامت طوال النهار. توجهت للحمام لتغتسل ثم خرجت لتعد لها فنجان من القهوة.
جلست تحتسى الفنجان وتقضم بضع قطع من البسكويت وهي تراجع أحداث يوم أمس، كررت على نفسها ذات السؤال
- ما الخطوة القادمة؟ هل تنتظر تحقيقات النيابة؟ أم تتحرك للبحث عن الحقيقة بنفسها؟ لكن السؤال الأهم ماذا تفعل وقد انطفأ أملها بموت السيدة منال.. فجأة لمع في رأسها شيئاً فمدت يدها لهاتفها المحمول وفتحت آخر صورة التقطتها عدسته.. صورة تقرير الأشعة وفى أعلى الصورة على اليسار شعار المستشفى التابع لها معمل الأشعة.. فلتذهب هناك غدا صباحا لعلها تهتدى لشيء..
***
في اليوم التالي ومع دقات الثامنة صباحاً، توجهت نورا إلى المستشفى، كان المكان يعج بالبشر، اقتربت من موظفة الاستقبال، سيدة خمسينية بوجه متجهم بعض الشيء ونظارة تنزلق على طرف أنفها. القت عليها التحية وسألتها عن الأرشيف ثم توجهت إلى هناك، وجدت موظفة ثلاثينية هذه المرة، تمسك بيدها قطعة من التريكو تنسجها ، بادرتها نورا بالتحية :

– مساء الخير، لو سمحتِ... هل تحتفظ المستشفى بملفات المرضى لعام 2004؟
رفعت الموظفة نظرها بتثاقل وضيق وقالت:
– هذا يعود لنوع الملف المطلوب، هناك ملفات يتم إعدامها بعد فترة، وأخرى يتم الاحتفاظ بها لو كانت حالات بحثية أو خطيرة... لما السؤال؟
نظرت نورا في عينيها ثم همست كأنها تخشى أن يسمعها أحد:
– كنت مريضة هنا منذ عشرون عاماً .. ثم اخرجت هاتفها المحمول وأظهرت التقرير للموظفة
تجمدت ملامح الموظفة لوهلة، قبل أن تنظر إلى شاشة الحاسوب، وتبدأ في النقر ببطء.
سادت لحظة صمت... ثم قالت:
– يوجد ملف بالفعل بحالتك، لأن حالتك كانت تعتبر حالة بحثية.
انفرجت أسارير نورا فرحا وشعرت أنها تسير في الطريق الصحيح فسألت متلهفة :
- لماذا حالتي كانت حالة بحثية ؟
- لأنها من أوائل الحالات التي يتم فيها زرع ذاكرة بديلة منعاً لرجوع الذاكرة الأصلية .
عقدت نورا حاجبيها وقالت ففي اهتمام :
- ذاكرة بديلة!! لماذا تم زرع ذاكرة بديلة لي .
زفرت الموظفة أنفاسها متملمه وقالت لتنهى الحديث:
- لأنك كنت تعانين من صدمة عصبية حادة.. اذهبِ لإحضار طلب رسمي من أعلى ولا تنسى طابع الدمغة وصورة البطاقة لكى تتسلمي نسخة من ملفك المرضى.
***
عادت نورا إلى منزلها تحتضن ملفها المرضى ككنز ثمين، ألقت بجسدها على إحدى الأرائك في ردهة المنزل وأخذت تفحص الملف بعناية .
نسخة من صورة أشعتها مرفق بها التقرير – تقرير مزيل بتوقيع أمها بموافقتها على تجربة زرع ذاكرة جديدة لها – تحاليل دم - مستند إعادة التأهيل الإدراكي ويحمل مرفقات ( تقرير نفسى وعصبي يوضح تفاصيل بقاءها تحت الملاحظة فترة في المستشفى – سجل الملاحظات الإكلينيكية يوضح تفاصيل بقائها تحت الملاحظة فترة – خطة تأهيل معرفي يشمل برنامج إعادة بناء ذاكرة جديدة ).
نهضت من جلستها وتوجهت لأقرب مكتبة تصوير أوراق لتنسخ الملف ثم عادت أدراجها للمنزل لتحتفظ الملف الأصلي قبل أن تتوجه لقسم الشرطة وطلبت من أمين الشرطة الإذن لها بمقابلة ضابط المباحث ناجى سليم . 
جلست قبالته بينما رحب بها وسألها عن سبب حضورها اليوم فقصت عليه رحلتها أمس إلى المستشفى الصادر منها تقرير أشعتها ثم أخرجت من حقيبتها نسخة من ملف علاجها ، تناوله منها وابتسم وقال مازحاً :
- ما هذا؟ هل تعملين الآن في إدارة المباحث والتحريات؟
- من واجبى مساعدتكم متى تيسر لي ذلك.. لكنى أريد أن أفهم ما سبب الصدمة العصبية التي على أثرها فقدت ذاكرتي ؟
- لأنك شهدت على مقتل أبيك . لقد كانت قضية كبيرة وقتها جاءت في الصفحة الأولى لجريدة الحوادث وقيدت ضد مجهول.
نزلت الجملة على نورا نزول الصاعقة فألجمت لسانها ، وابتلعت ريقها وتحجرت الدموع في عينيها  .
أكمل الضابط حديثه قائلا :
- آسف لأنى سببت لك صدمة جديدة ، كان يجب أن  تعرفي أنك شاهدة على قضية مقتل والدك وسأقوم برفع مذكرة للنيابة لطلب إعادة فتح التحقيق في هذه القضية ، خصوصاً بعد ظهور أدلة جديدة .
حاولت نورا تمالك نفسها وقالت بصوت مرتعش من بين دموعها .
- أبى مات مقتولاً ، كنت أعتقد أنه كان مريضاً ، لابد أن أعرف من قتله ؟ .. لكن ما هي الأدلة الجديدة ؟
- نحن نشك في أن السيدة منال قتلت بسبب أنها كانت تعلم شيئاً عن جريمة مقتل والدك، ثمة رابط بين الجريمتين. وكذلك الأدلة التي عثرت عليها في الغرفة رقم 13 وقدمتيها لنا .
- وما المطلوب منى حتى ينال قاتل أبى جزاءه؟
- لاشىء، ولا تأت إلى القسم مرة أخرى، أنت الآن شاهدة أساسية في القضية الأولى وأخاف أن تتعرضي للخطر فقد تكونين تحت رقابة القاتل الآن . وهاك رقم هاتفي الخاص إذا أردت أن تقولي لي شيئاً جديداً اتصلى بي.
- لم أعد أخاف من الموت بعد فقدي لأبى وأمي.
- لكن يهمك أن نقبض على قاتل أبيك.
نهضت من مكانها وهي تقاوم شعور قوى لفقدان الوعي، لكن قدماها خزلتها في النهاية فانهارت فاقدة للوعي.
صرخ ضابط المباحث ناجى سليم في معاونه ليستدعي عربة الأسعاف لتنقل نورا إلى أقرب مستشفى تابعة لمنطقة القسم. وهناك قام بتعيين حارس على غرفتها وأوصى بطبيب نفسي لمتابعة حالتها 
***

بدأت نورا في استعادة وعيها بشكل تدريجي وتساءلت:
- أين أنا؟
أجابتها الممرضة المرافقة لها في الحجرة:
- أنت في المستشفى، فقد أتيتي إلينا فاقدة للوعي منذ يومين.
تناولت الممرضة هاتفها المحمول وأبلغت الطبيب النفسي الذي يشرف على علاج نورا أنها قد استعادت وعيها فهرع إليها.
جذب الطبيب كرسيا وجلس جوار سرير نورا ثم وجه حديثه للممرضة لتغيير خطة العلاج الخاص بها وأكمل في اهتمام :
- لا تبرحي هذه الغرفة حتى أبلغك، نورا شاهدة إثبات في قضية قتل. هل فهمت؟
- لكن هناك حارس على الباب.
- نفذي ما أمرتك به ولا تركني لوجود حارس في الخارج، فمن الممكن أن ينتحل أحدهم صفة أحد من الطاقم الطبي ويسمح له الحارس بالدخول . إذهبى لإحضار الخطة الجديدة للعلاج ولن أبرح مكاني حتى تعودي.
أومأت برأسها وانصرفت بينما توجه إلى نورا بالحديث:
- كيف حالك الان؟
- أشعر بشيء من التشويش، رأيت حلماً وأشعر إنني قد عشته من قبل.
أمسك الطبيب دفتر ملاحظات وطلب من نورا ان تروى له على مهل ما رأته في حلمها.
- رأيت نفسي طفلة صغيرة أجلس مع أبى وهو يلاطفني ويلعب معي؟
- ما اللعبة التي كان يلعبها معك؟
- الغميضة.. كان يقول لي على أن أختبأ وهو سيخرج من الغرفة لدقائق وعندما يعود يجب أن أكون قد اختبأت ، لكنه لم يعود .. انتظرت وانتظرت لكنه لم يعود ورأيتني أبكى ثم أفقت الآن .
- أعتقد ما رأيت قد تكون ذكرى ما قبل مقتل أبيك .. على أي حال لقد غيرت لك خطة العلاج وسوف يساعدك هذا على استعادة ذاكرتك بإذن الله ... المهم الآن أن تلتزمي بالعلاج وتخبريني أول بأول عن أي شيء تحلمين به أو يومض في رأسك.
- حاضر.. أعدك بذلك.
دخلت الممرضة بهدوء، تدفع عربة صغيرة بعجلات تحوى صينية غذاء وصندوق به خطة علاج نورا ، وضعت الصينية بعناية على طاولة صغيرة متحركة نصبتها أمام نورا وهي تقول بابتسامة هادئة:
"وقت الدواء والطعام، يا آنسة نورا... ؟"
نظرت نورا إلى صينية الطعام التي وضعت أمامها واتسعت عينيها عن آخرها ثم قفزت من سريرها كمن لدغها عقرب وهى تصرخ صرخة مدوية ثم عادت وفقدت وعيها .
كان الطبيب النفسي يوشك على ترك الحجرة عندما حدث كل شيء بسرعة وانتهى الأمر بنورا وهى ممددة على الأرض فاقدة للوعى ، فهرع هو والممرضة لحملها وإعادتها إلى فراشها .
***
جلس ضابط المباحث ناجى سليم على مكتبه يتصفح ملف جريمة قتل والد نورا بعد أن وافقت النيابة على فتح القضية من جديد عندما دخل عليه معاون المباحث متحمساً وقطع عليه حبل أفكاره:
- سيدى. هناك أمر هام يجب إبلاغك به فورا.
رفع ناجى رأسه وقال يستحثه على الحديث:
- ماذا هناك يا هاني تحدث بسرعة .
- الشاهدة نورا محسن يا فندم ، فقدت الوعى مرة ثانية بعد أن أفاقت بدقائق قليلة .
ضرب ناجى مكتبه بقبضه يده اليمنى وقال بنفاذ صبر:
- اذكر التفاصيل  يا هاني ولا تعطيني المعلومات قطرة تلو أخرى.
- يا فندم .. هذا ما أبلغه الطبيب المعالج عن الشاهدة ولم يقل أكثر من ذلك.
ساد صمت قصير، قبل أن يأمر ناجى بانصراف المعاون .
نهض وهو يقطع الغرفة ذهابا وإيابا قبل أن يتناول هاتفه المحمول ويتصل بحارس غرفة نورا ليقوم بتوصيله بالطبيب المعالج ليفهم ما حدث ، وعندما علم بأمر الوجبة التي قدمت للشاهدة قبيل فقدانها للوعى . أمر بتحضير وجبة شبيهه لها بكل دقة ثم تصويرها وارسال الصورة له.
عاد الضابط لينخرط في فحص ملف قضية قتل والد نورا ، مد يده إلى الملف العتيق ، الغلاف أصفر ترك عليه الزمن آثاره  وقد كتب عليه بقلم غليظ فلماستر " قضية مقتل دكتور محسن غريب".
 كانت ملابسات الحادث تدور حول وصول الزوجة من العمل لتجد زوجها مسجى على الأرض والدم يملئ الغرفة ، أما نورا فكانت فاقدة للوعى خلف باب غرفة النوم وقد ارتطمت رأسها بالأرضية الرخامية . ولم تكن هناك علامات مقاومة ولا اقتحام للشقة مما يدل أن المجنى عليه فتح الباب للقاتل بكامل إرادته.
مرر الضابط يده على صورة القتيل وهو ممدد شاخص البصر وبركة دماء تحيط به وهو يتأمل تفاصيل الصورة. قاطعه صوت تنبيه هاتفه بوصول رسالة واتس آب. أعاد الصورة للملف وتناول الهاتف على عجل وفتح الرسالة.. كانت صورة وجبة مكونة من طبق شوربة وطبق أرز وفخذه دجاجة وبرتقالة وسكينة فاكهة . ترك الهاتف والأفكار تتسابق إلى رأسه.. راجع مكونات الصورة ثم توقف بصره على سكينة الفاكهة ذات النصل الأبيض والمقبض العاجي.. يشعر أنه قد رآها من قبل، ثم لمعت في رأسه صورة سلاح الجريمة في القضية التي كان يطالعها منذ قليل، فعاود فتح الملف وتوقف عند صورة السكين الذي قتل به والد نورا وقد كُتب تحت الصورة بخط بشرى ( سكينة فاكهة بنصل ابيض ومقبض عاجي ) .
***
جلس الطبيب جوار سرير نورا يراقب علاماتها الحيوية، عندما لاحظ نشاط مخها ينبئ بقرب استعادتها لوعيها بينما دخلت الممرضة وهى تدفع بيدها ترولي العناية والأدوية حتى استقرت جوار الطبيب وهمت بالحديث عندما أشار إليها أن تصمت .
بينما انتفض جسد نورا وفتحت عينيها التي انسابت منها دموع ساخنة وهى تصرخ .
- بابا.. بابا.. المجرم قتله.. المجرم قتله.
أخيرا تحررت الذاكرة التي تم سجنها لعشرين سنة. وعادت تطفو على سطح وعى نورا. قام الطبيب بتوجيه الممرضة لحقن نورا بحقنة مهدئة وماهي إلا سويعات قليلة وحضر ضابط المباحث لأخذ أقوال نورا لتتم حل الأحجية شيئاً فشيئا .
 تورات الحقيقة لسنوات لكن الله أذن بانبلاج شمسها ليعود الحق لأهله وليدفع كل آثم ثمن جريمته.
لم تستطع نورا رؤية القاتل بشكل واضح من خلال ثقب الباب، فقط تتذكر شجار عنيف ينتهي بلحظة تناول يد القاتل سكينة الفاكهة التي طالما قطع لها والدها بها ثمار التفاح والبرتقال ليغرزها في صدر أبيها، لتكتم فمها بشكل غريزي حتى لا يبدر منها صوتا يجذب انتباه القاتل لها. لم تتحمل طفولتها البريئة هول ما رأت فسقطت مغشياً عليها.
قبل أنت تفقد وعيها كانت الرؤية مشوشة، والضوء خافتًا... لكن عينَي نورا الصغيرة، رغم خوفها، علقتا بتفصيله واحدة لم تُنسَ.
عندما ارتفعت اليد القاتلة، وهي تُمسك بسكين الفاكهة، انحسر كمّ القميص قليلًا، كاشفًا عن ساعدٍ مشدود.
وهناك... على الجلد، كان الوشم.
وردة حمراء، داكنة، أشبه بجرح حي، تتفتح وسط دوامة من أوراق سوداء ملتفة. 
لحظة واحدة فقط، لكنها طُبعت في ذاكرتها التي تمويهها عشرون عاماً.
أخيراً انحل اللغز.. لم يكن مقتل والدها حادثًا غامضًا كما ظنّ الجميع. الآن، وقد نطقت نورا بالحقيقة، تغيّر كل شيء. الماضي لم يعُد ميتًا. إنه ينبض، ويطالب بالعدالة.
أما نورا فلم تعد ضحية ، بل الشاهد الوحيد في قضية قيدت لمجهول منذ عشرين سنة .

***
كان وشم الوردة مفتاح اللغز ولم يمر اليوم حتى تم إلقاء القبض على القاتل . 
دعونا نعود ثلاثين عامًا إلى الوراء...
حيث كانت فدوى، والدة نورا، فتاةً في ربيع عمرها، تخطو خطواتها الأولى في عالمٍ لم يكن يتسع لكل أحلامها.
طالبة هادئة، رقيقة الملامح، تدرس في كلية الفنون الجميلة، تحمل في يدها فرشاة، وفي قلبها آمال عريضة .
كانت تعشق الرسم كما تعشق الحياة، لفتت نظر دكتور محسن غريب الذي يكبرها بعشرة أعوام كاملة، كان يُدرس لها فن التصوير الجداري.. أعجب بها وبرقتها ولم يكن يعلم أن هناك فتاة أخرى تدعى منال تهيم به حباً وتحلم بالزواج به، لكن زميلاً لها يدعى هاشم سعيد كان يحبها ويحاول محاولات مستميته للفت نظرها لكنها لم تكن تراه لأنها غارقة حتى أذنيها في حب دكتور محسن.
وقرب نهاية العام الأول لها في كلية الفنون الجميلة انطفأ أملها وانكسر قلبها حين أتت لها صديقتها فدوى والفرحة تزغرد على وجهها لتخبرها في سعادة أن دكتور محسن قد أَسَر إليها بنيته في التقدم إليها عقب انتهاء امتحانات نهاية العام.
 مادت الأرض تحت أقدام منال ، لكنها تحاملت على نفسها ورسمت على وجهها ابتسامة مصطنعة لتهنئ صديقتها بالخطبة. مر عام وهي تحاول قتل حبها لدكتور محسن لكنها لم تفلح ففكرت أن تستجيب لإلحاح هاشم ووافقت على الارتباط به لعلها تفلح في نسيان محسن .
وانتهت السنوات الخمسة سريعا وتخرجت فدوى ومنال وأصبح لكل منهما حياة أسرية مستقلة.
فدوى تزوجت دكتور محسن ورزقت منه بعد عشرة أشهر بطفلة جميلة رقيقة تشبه أمها في ملامحها بينما أخذت من أبيها طول قامته وخمرية بشرته . كانت حياتهما سعيدة مستقرة بينما منال وهاشم على النقيض تماما.
كان هاشم حاد الطبع شديد الغيرة، يستشيط غضباً من أتفه الأسباب، بينما منال على العكس تماما، هادئة الطباع، واثقة بنفسها، سهلة الإرضاء.. عاقلة لا تستفذ بسهوله.. ولأنه اختيارها لم يكن أمامها من سبيل إلا الصبر .. مرت خمس أعوام على زواجهما ولم تنجب، بل لم تحاول البحث عن السبب عند الأطباء كما لو إنها لا ترغب في قرارة نفسها بطفل يربطها به.. كان يغير من محسن على زوجته لأنه يعلم بحبها القديم له، وكان لا يكف عن الشجار معها كلما زارت فدوى في بيتها أو حتى حينما تزورها فدوى في مرسمها.
حتى جاء يوما، بدأ هاشم الشجار مع زوجته كالعادة محاولاً إثنائها عن الذهاب لحفلة عيد ميلاد الصغيرة نورا.. حاولت منال تهدئته وإقناعه أن ما يفكر فيه وهماً، فمحسن بالنسبة لها مجرد حب قديم طويت صفحته منذ تزوجته ولكنه لم يصدقها لأنه يفتقر للثقة بنفسه.. ولأنه شخصية اندفاعية لا تحسب لخطواتها قبل أن تخطو، قرر فجأة الذهاب إلى محسن وزوجته ليحذرهما من الاقتراب من زوجته مرة أخرى، بل وليأمرهم بقطع علاقتهم معها بشكل نهائي.. لم يفكر أن الوقت باكر وأن محسن وفدوى لابد أن يكونا في عملهم الآن.. فنار غضبه أعمت بصيرته عن التفكير السليم.
لكن شاءت الأقدار شيئاً آخر، وبقي محسن في البيت لشعوره بوعكة خفيفة لأن مصيره المحتوم وعمره المقدر جعل يومه هذا هو اليوم الأخير في حياته.
كان يلعب الغميضة مع طفلته نورا وتركها في غرفة النوم ليترك لها المجال للاختباء، عندما قاطعة صوت جرس الباب المتلاحق، وما هي إلا لحظات حتى إندفع هاشم كطلقة مدفع للداخل واشتبك في معركة كلامية مع الدكتور محسن انتهت بمقتل الأخير بينما ترقب ما حدث عيون نورا لتسجل كل ما رأته لينزلق في مكان بعيد من ذاكرتها ويظل حبيساً هناك لعشرين سنة تالية.
***
عندما سقط الدكتور محسن مضرجاً في دمائه، أفاق هاشم من لحظة جنونه وأدرك فداحة ما فعل لكن بعد فوات الأوان.. دفعه خوفه من السقوط في أيدي العدالة بمسح بصماته عن أداة الجريمة بمنديل ورقى، لكنه أخطأ عندما ترك السكين جوار الجثة وفر هارباً.
عاد إلى زوجته ممتقع الوجه، يتفصد العرق عن جبينه، بينما رشه دماء تلوث قميصه. فزعت منال من منظر زوجها وقبل أن تفتح فمها لتسأله عما حدث له، اعترف لها بكل شيء، وتوعدها إن أدلت بكلمة تشير إليه ستكون الجثة التالية.
خضعت للتحقيق هي وزوجها لكن الشرطة لم تهتدى للفاعل الحقيقي.. حاولت الشرطة استجواب الطفلة حينئذ لكن الطبيب المعالج لم يسمح بذلك لأن الطفلة مصابة بصدمة عصبية حادة أفقدتها الذاكرة.. وبدافع حب الأم لابنتها قررت فدوى منع ذلك للأبد عن طريق السعي لزرع ذاكرة بديلة لطفلتها ، رغم أن ذلك سيدفع بالجاني بعيداً عن تلقى عقابه .. لكنها لم تفكر إلا في مصلحة ابنتها نورا. وبعد مرور عشرين عاما عانت فدوى من مرض عضال وأيقنت من دنو أجلها، أرادت أن تعترف لابنتها بكل شيء لكنها خافت من مواجهتها، خافت أن تتهمها في التفريط في دم أبيها ومنعها من الشهادة ضد قاتله. فقامت بإرشاد نورا لتعرف الحقيقة بعد موتها من صديقتها منال التي كانت شاهدة على قصة زرع ذاكرة بديلة لابنتها. 

لم تكن منال تعلم أنها ستكون الجثة التالية لكن بعد عشرين سنة منذ تهديد زوجها لها لأول مرة، في نوبة غضب وجنون جديدة..
فقد سئمت منه وثقلت نفسها ولم تعد تطيق وجوده في حياتها فهددته هي هذه المرة إن لم يطلقها ويغرب عن وجهها ستبلغ عنه الشرطة وعندما حذرها إنها ستلقى هي الأخرى عقابا لأنها تسترت على قاتل، أجابته إنها مستعدة أن تفعل أي شيء نظير الخلاص منه، فانقض عليها وأحاط رقبتها بكلتا يديه ، كما ينقض العقاب على فريسته وينشب مخالبه فيها ، فلم يدر بنفسه إلا وزوجته جثه هامدة شاخصة البصر ، فمها مفتوحاً كأنه يستعد لصرخة لن تخرج أبدأً.
تمت

Comments

Popular Posts