وكان وهما


في حي المنشية بالإسكندرية في أربعينيات القرن الماضي، حيث كانت عربات الخيل لا تزال جزءا مألوفا من المشهد، وأناقة البدل الرجالية والفساتين المنفوشة تعكس ذوق تلك الحقبة، نشأت قصة حب بين شاب طموح يدعى هاشم وفتاة رقيقة تدعى نادية. كان هاشم يعمل مساعدا لوكيل شحن في الميناء، يحلم بتوسيع تجارته والسفر بحرا، بينما كانت نادية إبنة صائغ ماهر، تعشق قراءة المجلات والروايات الرومانسية ، وتؤمن بأن الحب الحقيقي ينتصر في النهاية.

إلتقى هاشم ونادية في حفل خطوبة أحد الأقارب، وتبادلا نظرات طويلة تحمل في طياتها شرارة الإعجاب الأولى. كان هاشم يجد في نادية صفاء الروح وجمال الملامح الذي يذكره بنقاء الياسمين، بينما كانت نادية ترى في هاشم الشاب الواعد شهامة ورجولة تجعل قلبها يخفق بقوة.

قضى الاثنان ليالي الصيف يتنزهان على كورنيش الإسكندرية، يتناولان الأيس كريم والذرة المشوية. كانا يحلمان بمنزل صغير في حي هادئ، وبأطفال يملأون حياتهما بهجة وسرور. كانت وعودهما تتردد على ألسنتهما كأغان عذبة.

لكن مع مرور الأيام، بدأ طموح هاشم يتضخم كشراع سفينة في مهب الريح. أصبح عمله يستحوذ على كل وقته وتفكيره، وبدأ يرى أن الارتباط المبكر قد يعيق تقدمه نحو الثراء والنفوذ الذي يسعى إليه. كان يتحدث عن صفقات تجارية كبيرة وعن فرص قد تأتيه من الخارج، وكأن نادية أصبحت هامشا في خططه المستقبلية.

أما نادية، فكانت ترى الحب هو أساس كل شيء. كانت تحلم باليوم الذي سترتدي فيه فستان الزفاف الأبيض وتصبح زوجة لهاشم. بدأت تشعر ببعد عاطفي يتسع بينهما، وبأن أحلام هاشم أصبحت تدور في فلك مختلف عن أحلامها.

حاولت نادية أن تتحدث مع هاشم بصراحة، أن تعبر عن قلقها وخوفها من أن يبتعد عنها، لكنه كان يتجاهل تلميحاتها أو يعدها بمستقبل وردي مؤجل. كانت تشعر بمرارة الخذلان تتسرب إلى قلبها كسم بطيء المفعول.

في إحدى أمسيات الخريف الباردة، إصطحب هاشم نادية إلى حديقة الشلالات، المكان الذي تبادلا فيه أولى همسات الحب. وبينما كانت أوراق الأشجار تتساقط حولهما كدموع صامتة، أخبرها هاشم ببرود أنه قرر تأجيل خطط زواجهما إلى أن يحقق خططه لبناء مستقبله. شرح لها طموحاته التي لا تحتمل قيودا، وأنه يريد أن يحقق ذاته أولا قبل أن يتحمل مسؤولية تكوين أسرة.

شعرت وكأن الأرض تميد بها. نظرت إلى هاشم بعينين مذهولتين، غير قادرة على تصديق ما تسمعه. إستجمعت قواها المتلاشية وتوسلت إليه أن يبقى، أن يتذكر حبهما والسنوات التي قضياها معا. ذكرته بأحلامهما المشتركة، بالوعود التي تبادلاها تحت ضوء القمر.

"هاشم، أنت تعرف أنني أحبك أكثر من أي شيء في هذا العالم. كيف يمكنك أن تتخلى عن كل هذا؟ سنعمل معا، سندعم بعضنا البعض لتحقيق كل ما نتمناه"، قالت نادية بصوت يرتجف، لكن كلمات إستعطافها لم تجد صدى في قلب هاشم.

كان قراره محسوما. نظر إلى نادية بعينين خاليتين من ذلك البريق الذي عرفته يوما، وإعتذر بكلمات رسمية لا تحمل أي دفء. ثم استدار وغادر الحديقة، تاركا نادية خلفه وحيدة تحت الأشجار العارية، وروحها تتجمد من قسوة الفراق.

كانت جالسةعلى أحد المقاعد الباردة، والدموع تنهمر على وجنتيها كالمطر. نظرت إلى بركة الماء الصامتة وكأنها تعكس وحدتها وعجزها. في تلك اللحظة المؤلمة، أدركت نادية أن الحب قد لا يكون دائما كافيا، وأن الطموح الأناني قد يطغى على أرق المشاعر. وبينما كانت تتأمل السماء الرمادية، كانت تعلم أن عليها أن تلملم بقايا كرامتها وتبدأ رحلة التعافي، وأن تبحث عن سعادتها التي تستحقها، بعيدا عن ذلك الشاب الذي إختار أحلامه المادية على دفء قلبها.

تمت

Comments

Popular Posts