الهاتف الأسود



منذ سنواتٍ طويلة، إعتادت الجدة سلمى أن تبدأ صباحها بفتح نافذتها الخشبية المطلة على الغابة الصامتة. تجلس على كرسيها القديم، وتضع إلى جوارها فنجان الشاي الدافئ وهاتفها الأسود العتيق، تنتظر أن يُصدر ذلك الهاتف رنينًا طال غيابه.

في زاوية الغرفة، تتراكم رسائل ورقية صفراء، ألبوم صور قديم يحوى العديد والعديد من الزكريات فى هيئة صور بالأبيض والأسود.

لازالت تتذكر وجه حفيدها عمر وهو يحمل حقيبته ذاهبا ليكمل دراسته فى الخارج . قال لها يومها وهو يُقبّل يدها:

-"لن أغيب طويلاً يا جدتي، سأتصل بك كلما إستطعت، فقط لا تنسي أن ترفعي السماعة حين يرن الهاتف. وهزّت رأسها حينها بإبتسامة دافئة، وهي تُخفي قلقها في أعماق قلبها ."

مرت الأيام، ثم الشهور، وتوالت السنوات . تغير كل شيء في القرية، إلا بيت الجدة سلمى وهاتفها القديم .

لم تكن تملك هاتفًا محمولًا، ولم تُجيد التعامل مع الشاشات الذكية التي يستخدمها الجميع. كان ذلك الهاتف ذو القرص الدوّار هو صلتها الوحيدة بالعالم، وبحفيدها الذي غيّرته الغربة وأبعدته المسافات.

في كل مساء، كانت تُحدّث نفسها:

"ربما إنشغل هذا الأسبوع... ربما ضاع رقمي... أو لعلّه ينتظر لحظة مناسبة"-

لكن القلب يعرف، ويشتاق، وينتظر.

وذات مساءٍ شتوي، بينما كانت الرياح تعصف خلف النافذة، وضعت يدها على خدّها كما إعتادت، وأطلقت تنهيدة طويلة. وفجأة ...رنّ الهاتف.

رفّت عيناها بدهشة، ثم إرتجف قلبها كأنّه يعود للحياة من جديد. مدت يدها بتؤدة، رفعت السماعة، وسمعت صوته:

-" جدتى ... سامحينى على تأخرإتصالى ، إشتقت إليك كثيرًا ""-

إنهمرت دموعها قبل أن تستطيع الكلام، وهمست:

"لقد انتظرتك طويلاً يا عمر... طويلا.ً"-

في تلك اللحظة، لم تعد الوحدة ثقيلة، ولا الشتاء باردًا، فقد عاد دفء الحفيد من خلال سلكٍ نحاسيّ، ومن خلف آلاف الأميال.

***

منذ تلك المكالمة، تغيّر كل شيء في حياة الجدة سلمى ، بات الهاتف لا يغادر جانبها، لا لأنّها تخشى أن يفوتها رنين آخر، بل لأن صوته ما زال يتردد في أذنها كأغنية قديمة تحفظها عن ظهر قلب.

وفي كل مكالمة، كان "عمر" يودّعها بكلماتٍ قصيرة، لكنها مليئة بالشوق:

"سأراكِ قريبًا يا جدتي، قريبًا جدًا. "-

وكانت تضحك وتقول :

"قلب الجدة لا يصدق حتى يرى."-

وفي صباح يومٍ مشمس بعد أيامٍ من المطر، كانت تجلس كعادتها بجانب النافذة، حين سمعت طرقًا خفيفًا على الباب. ظنتها الريح، أو أحد الجيران، فنهضت ببطء، وهي تتمتم:

"من هذا الطارق في هذا الوقت؟"-

وحين فتحت الباب، توقفت أنفاسها، وتجمد الزمن للحظة. كان عمر.

-" عمر!" صاحت بصوت إختلط بالبكاء والضحك والدهشة.

وقف أمامها، أطول قامة، أكثر نضجًا، لكنه بعينين لم تتغيرا، يلمع فيهما الحنين والحب.

ألقى بحقيبته أرضًا، وارتمى في حضنها كطفل صغير، وقال بصوت مرتعش تخنقه الدموع:

-"أردتُ أن تكون المفاجأة كاملة، أردتُ أن أرى دهشة وجهك، وعينيكِ... أردت أن أعود إليكِ حقًا، لا صوتاً فقط."

أمسكت بوجهه بكلتا يديها المرتعشتين، ولم تقل شيئًا. فقط نظرت إليه نظرة طويلة، كأنها تكتشف الحياة من جديد، كأن السنوات التي إنتظرته فيها كلها أُختُصرت في تلك اللحظة.

دخل معها، وجلسا سويًا، بجانب النافذة، وُضع الهاتف جانبًا، فلم يعد له حاجة الآن ، فبعودة الحفيد، صار البيت حيًّا.

تمت


Comments

Popular Posts