مرآة القمر - الفصل الأول " خارج حدود الممكن "




 كانت رائحة عرق الصيف الكريهة تمتزج ببخار الطعام الرخيص المتصاعد من عربات الكشري المنتشرة على جانبي الطريق، لتخلق هالة خانقة تلف القاهرة في منتصف نهار قائظ. 

كان عَلِيِّ ذو الثلاثين عاماً يسير بخطى ثقيلة نحو محطة الحافلات المزدحمة عائدا من عمله بشركة " كيماويات النيل ". قميصه القطني إلتصق بظهره المبلل بفعل حرارة الشمس، وحقيبتة الجلدية تتدلى بلا حياة من كتفه. شهادته الجامعية في الكيمياء الحيوية، التي طالما رأى فيها جواز سفره نحو مستقبل أفضل، بدت الآن مجرد ورقة باهتة أخرى في ملف حياته المثقل بالأعباء.

كان يقضي أيامه في تحليل عينات المواد الخام وتنفيذ أوامر رئيسه في العمل براتب بالكاد يكفي لسد الرمق. غلاء الأسعار كان وحشًا يلتهم راتبه الشهري قبل أن يحل منتصف الشهر، تاركًا إياه في دوامة من الحسابات  المستمرة في كيفية تدبير أموره.

سارة، زميلته في معمل المواد الخام، نقطة الضوء الوحيدة في عالمه الرمادي. عيناها البنيتان الدافئتان وضحكاتها الرقيقة كانت تزرع بذرة صغيرة من الأمل في قلبه المثقل. كان يحبها بصمت، يراقبها من بعيد وهي منهمكة في عملها، يرتجف قلبه كلما تبادلا أطراف الحديث ، لكن كيف يجرؤ بالبوح بمشاعره وهو يعلم تمام العلم أن إمكانياته المادية لا تؤهله للزواج؟ فكرة تأسيس بيت وأسرة بدت له رفاهية بعيدة المنال، كحلم مستحيل في هذا الخضم المتلاطم.

في مساء أحد أيام الجمع، قرر عَلِيِّ زيارة جده الذى يسكن فى ذات الحى .. حي السيدة زينب الذى يحمل عبق الماضي، رائحة الياسمين المتسلق على الجدران الخشنة تذكره ببساطة الحياة التي طالما حدثه عنها جده. جلس الاثنان في فناء الدار الصغير، يحتسيان الشاي المر، بينما عَلِيِّ يبث لجده شكواه وهمومه:

-" الحياة أصبحت صعبة بشكل لا يطاق. كل شيء يرتفع سعره، ورواتبنا كما هي. حتى فكرة السفر، التي كانت تمثل بصيص أمل لجيلنا، أصبحت ضربا من الخيال. من أين لي بمال السفر وتكاليف مكاتب التوظيف الباهظة؟"

ربت الجد على كتفه بيده المتجعدة وقال بصوت هادئ:

- "يا بني لا تيأس، فربك كريم. قد يأتي الفرج من حيث لا تحتسب"

لكن كلمات الجد لم تنجح تماما في تهدئة القلق المستعر في قلبه. بينما كان الجد يتحدث عن صبر الأيام وتقلبات الزمان، إتجهت نظرته نحو المكتبة العتيقة التي تحتل جانبا من غرفة المعيشة. كانت رفوفها الخشبية الداكنة تعج بالكتب ذات الأحجام والألوان المختلفة، بعضها متداع وبعضها الآخر ما زال يحتفظ بغلافه المتين. صرف بصره نحو جده وقال :

-" ما هذه الكتب الكثيرة... من أين لك بكل هذا الكنز." 

إبتسم الجد إبتسامة باهتة وقال: المكتبة هنا منذ زمن ، لماذا لفتت نظرك الآن ؟. كل كتاب هنا يحمل ذكرى وقصة.

إبتسم عَلِيِّ وقال فى حماسه :

-"هل تسمح لي أن أتفقدها؟ ربما أجد كتابا جيدا أستعيره ،لأقتل به هذا الملل الخانق." 

قال الجد وهو ينهض ببطء متوجها الى المطبخ لتحضير العشاء :

-" تفضل يا بني، المكتبة مكتبتك. " 

تطلع على لصفوف الكتب المتراصة بعناية ، عندما توقفت عيناه على كتاب غريب .. كان بلا عنوان ، فقط نقوش غريبة باللون الذهبى بدت كلغة قديمة لم تعد مستخدمة ، لم يكن ذلك هو الشىء الوحيد بشأن هذا الكتاب ، فقد كان لونه أسود لامع لا يشبه أى كتاب عرفه فى حياته . أخذ الكتاب كالمسحورثم ذهب الى المطبخ حيث يحضر جده طعام العشاء وقال:

- " من أين إقتنيت هذا الكتاب يا جدى "

إنفرجت أسارير الجد عن إبتسامة عذبة وقال :

- " لا أتذكر على وجه التحديد ، لكنى أشتريت أغلب كتب هذه المكتبة من سور الأزبكية .. هل أعجبك الكتاب"

رد على بحماسة :

- " بالطبع .. أنا مسحور بالكتاب بشكل لا يوصف ، لكنى عندما تصفحته لم أفهم اللغة المكتوب بها .. هل قرأت هذا الكتاب يا جدى "

عقد الجد حاجبيه وقال بجدية :

- " لقد حاولت عن طريق اللجوء إلى صديقى الدكتور صادق لكنه لم يستطع حل أى شىء من طلاسمه "

قال على :

- " على أى حال سآخذ الكتاب وأحاول فك طلاسمه بالبحث فى الإنترنيت "

أنهى الجد الحديث قائلا :

- " لك هذا ، خذ منى الأطباق للطاولة ، ودعنا نتناول طعام العشاء "

****

عاد على إلى شقته يحمل الكتاب الأسود كأنه كنز ثمين ، كانت شقته صغيرة تتكون من ردهة وغرفة نوم ومطبخ وحمام .

كان أثاث الردهة بسيط ، فقد إستقرعلى يمين الغرفة كنبة حديثة عريضة ممكن إستغلالها كسرير أما ظهرها فعبارة عن أرفف تستخدم كمكتبة . كان على يقتنى مجموعة من الروايات الشبابية يصفها على أرففها وعلى الجدار خلفها علقت ساعة حائط تدق بإنتظام. 

أما على اليسار فكانت طاولة صغيرة تحيط بها أربعة كراسى تستخدم للطعام تعلوها نافذة مفتوحة يتسرب منها ضوء القمر بخيوطه الفضية ، بجوارها ثلاجة بيضاءمتوسطه الحجم زين بابها العلوى ببعض صور الفاكهة الملونة ويعلوها مفرش عليه فازة تحوى زهور اصطناعية حمراء .

وفى الجدار المقابل إستقر مكتب خشبى وضع فوقه أباجورة قراءة وجهاز لاب توب ، وإلى يسار المكتب باب يؤدى الى طرقة صغيرة تنتهى بغرفة النوم صغيرة بينما يتخلل يمينها باب المطبخ يليه باب الحمام .

أما غرفة النوم فقد إصطف على جانبيها سرير ودولاب بينهما نافذة متوسطة ينسدل من أعلاها ستارة ثقيلة ، بينما إستقرت منضدة زينة إلى يمين باب غرفة النوم تتوسطها مرآة مستطيلة وضعت عليها زجاجة عطر ومشط وعلبة صغيرة من جل الشعر.

دخل على إلى الردهة ووضع الكتاب على الطاولة ، سحب الكرسى وجلس يتأمل ويقلب فى صفحات الكتاب وهو يحاول أن يعتصر ذهنه ربما يهتدى إلى أى شىء يقوده لمعرفة رموز هذا الكتاب . ثم نهض وتوجه إلى مكتبه وفتح اللاب توب ، تقافزت أصابعه على لوحة المفاتيح وهو يصف الكتاب لعله يصل لشىء ، لكن دون جدوى . لمع رأسه بفكرة أن يصور الغلاف ويرسله لبرنامج الذكاء الصناعى لعله يعرف لغز الكتاب ، فنهض من فوره وتوجه إلى الطاوله حيث ترك الكتاب لكنه تسمر فى مكانه ..

كان القمر بدرا وقد أرسله نوره كخيوط فضية ليستقر على سطح الكتاب ويحوله إلى سطح لامع كفضة ذائبة ، أما رموز الكتاب الذهبية فقد بدت كما لو أنها إستمدت طاقة القمر لتشع بضوء ذهبى نابض . إقترب على أكثر من الكتاب وفرك عينيه غير مصدق ما يراه ، لكن فجأة تغير سطح الكتاب ونقل صور من عالم الآخر كأنه نافذة فتحت لتوها . نظر على غير مصدق مايراه .. سماء لونها أزرق مخضر تتوسطها شمسين عجيبتين ، ثم تختفى الصورة لتظهر مكانها صورة لغابة عجيبة أشجارها مثل الكريستال واوراقها رمادية يتدلى منها عناقيد حمراء تشبه العنب ويحيط بها هالة من الحشرات المضيئة ثلاثية الأجنحة ، ثم تتغير الصورة لتظهر صورة شلال عجيب ينهمر منه ماء يشبة الفضة السائلة كسطح الكتاب العجيب .

 

لقراءة الفصول السابقة من الرواية
إضغط على الثلاث شرط بجوار إسم المدونة ( ظل القلم ) ستفتح لك قائمة إهبط إلى أسفلها ،  أدخل على زرlabel وأختر novels

Comments

  1. متحمس لباقى الروايه

    ReplyDelete
    Replies
    1. أنا سعيدة لأن الرواية قد أعجبتك إنتظرنى يوم الإثنين من كل أسبوع إن شاء الله

      Delete

Post a Comment

Popular Posts