المرآة الملعونة
سلمى فتاة جميلة فى الثانية وعشرين من عمرها ، وحيدة والديها .. تخرجت حديثاً فى كلية التجارة ولم تحاول البحث عن عمل ، فهى تؤمن أن العمل ليس شىء أساسى فى حياة المرأة ، وأن النساء اللواتى يعملن ،إنما الحاجة وضيق العيش من دفعهن لذلك . لكنها ولدت فى عائلة ميسورة ، فليس عليها إذن سوى إنتظار زوج المستقبل .
حتى جاء يوماً ، حضرت مزاداً شهيراً كما هى عادتها ، وقف المزايد فى مقدمة القاعة خلف منصة خشبيه ، كان أصلعاً مكتنز الجسد قصير القامة يضع فوق أنفه نظارة نظر بإطار دائرى ، وكان يقف على كرسٍ خشبى خلف المنصة كى يراه الجمهور وبعد أن إفتتح المزاد ، بدأ بمرآة عتيقة بإطار من الفضة وقال محاولاً رفع صوته فخرج أجش مزعجاً :
-" السادة الحضور .. نبدأ المزاد بمرآة أثرية نفيسة بإطار من فضة تعود إلى القرن الرابع عشر وكانت تمتلكها سيدة فرنسية نبيلة تدعى "مدام ايزابيل دومونتير" ، يقال أنها ماتت بمرض غامض ،، .. نبدأ بخمسة آلاف جنيهاً."
إنتشرت همهمة من الحضور بينما بدأ البعض برفع أيقونته الخشبية لعرض سعر أعلى ، أما سلمى كعادتها فى كل مزاد تحضره وتعجبها فيه قطعة نادرة ،لا تستريح ولا يهدأ لها بالاً حتى تنالها مهما كان الثمن .
***
إكتفت اليوم بالمرآة الأثرية ، كانت شغوفة للغاية أن تعود لتجلس معها وتتلمس إطارها وتنظر فى صفحتها ، لذا لم ترغب بالبقاء حتى نهاية المزاد ، خرجت وفى يدها علبة من القطيفة الحمراء تضم تحفتها التى دفعت فيها خمسون ألفاً من الجنيهات ، لتجد سائقها الخاص ينتظرها على جانب الطريق .
عادت للمنزل وإستقبلتها والدتها بإبتسامة وتعجب من سبب عودتها من المزاد مبكراً ، لم تجب سلمى على الفور لأنها طبعت قبلة على خد أمها ورفعت العلبة القطيفة فى الهواء لتقول فى فخر وسعادة :
- إنها مرآة أثرية تعود للقرن الرابع عشر . انتظرى سأريك إياها .
أجابتها الأم :
- إننى مشغولة الآن يا حبيبتى ، سأراها فى وقت آخر .
لم تهتم سلمى وإندفعت إلى حجرتها بكنزها السمين . دخلت غرفتها ، يتصدر الغرفة الواسعة سرير كبير يعلوه ظهر مبطن بالستان الوردى . وعلى جانبيه زوج متطابق من الكمود يعلو كل منهما أباجورة برأس من الشيفون الوردى الفاتح مثبت على حافتيه زخارف ورود حمراء . بينما تدلى من الثقف ثريا أثرية من النحاس تفرع منها كرات من الكريستال . أما جدران الغرفة فقد تم طلائها أيضا بلون وردى فاتح .. وعلى يمين الباب ركنه وردية عليها ثلاث وسادات من الساتان الوردى الغامق فى منتصف كل وسادة زر زجاجى . بينما تطل الغرفة الواسعة على حديقة الفيلا قبالة حمام السباحة مباشرة ، من خلال شرفة تتدلى منها ستائر من الشيفون الوردى المشجر .
أما على يسار الباب مكتب من خشب الورد تعلوه مكتبه حائط وضعت على أرففها كنوز سلمى .
جلست سلمى على ركنتها وهى متلهفة لإخراج كنزها الثمين . فتحت العلبة القطيفة وأخرجت المرآة ونظرت إليها فى سعادة باسمة الثغر ، لكن فجأة سقطت من فمها إبتسامتها وتبدلت بنظرة ذهول ورعب جعلتها تلقى بالمرآة كرد فعل إنعكاسى غير مصدقه ما تراه عينيها .
عكست المرآة وجه سلمى عندما أطلت إلى صفحتها لكن ليس كأى مرآة .. كانت المرآة تعكس وجهاً ذابلاَ مريضاً مغلف بالحزن بينما تتساقط الدموع حاراً على وجنتيه .
مدت يدٍ مرتعشة لتلتقط المرآة التى سقطت من قبضتها على الأرضية المغطاة بسجادة فارسية كثيفة الوبر، وهى تحاول أن تقنع نفسها أن ما رأته سابقاً وهماً بصرياً ، ثم نظرت ثانية فظهر لها وجهها هذه المرة ينظر إليها بنظرة حادة متحدية جعلها تصرخ صرخة مدوية جلبت إليها الخدم ومن خلفهم والدتها .
إنهارت وغطت وجهها بكلتا يديها وأخذت تبكى مرتعبة . هدأتها والدتها وأخذت بيدها إلى الخارج بينما أمرت خادمتها بإحضار كوب من عصير الليمون بالنعناع المفضل لسلمى .
- مابك يا بنيتى هل حدث شىء؟
قالت سلمى من بين دموعها :
- المرآة التى أحضرتها تواً من المزاد .. تعكس وجهى لكن لست أنا .. أقسم لك لست أنا .
إبتسمت الأم غير مصدقة ما تقوله إبنتها وهمت بقول شىء عندما أحضرت الخادمة كوب العصير. تناولته الأم
ثم ناولته لإبنتها وقالت فى حنان :
- يا بنتى .. كل ما فى الأمر أنك لم تنامى جديداً ليلة أمس من حرصك على الإستيقاظ باكراً لحضور المزاد .
شربت سلمى العصير دفعة واحدة بيدٍ مرتعشه فإنسكب بعضه على فستانها وقالت فى إنهيار :
- إن لم تصدقينى إذهبى بنفسك وإنظرى فى المرآة .
أمرت الأم الخادمة بإحضار المرآة لتضحد قول إبنتها ، وما هى إلا لحظات وكانت المرآة فى يدها .. نظرت الأم فى صفحتها وقالت :
- أرأيت لا يوجد شىء غريب . كما قلت لك مجرد إرهاق .. أنا ذاهبة لشراء بعض متطلبات حفل اليوم .. تعالى معى وإنسى أمر هذه المرآة تماما .
أجابت سلمى أنها متعبة وتريد أن تنام لعلها تنعم ببعض الراحة والهدوء.
***
عادت الأم من الخارج وخلفها إثنين من الخدم يحملان عنها أكياس المشتريات فوجدت زوجها جالساَ يطالع التلفاز فألقت عليه التحية وتعجبت من عودته باكراً من شركته فقال لها :
- لا شىء .. شعرت إنى لست على مايرام ، فقررت العودة.. أين سلمى ؟
أخبرته الأم بما حدث مع سلمى ، فلم يكترث فهو يعلم أن إبنته المدللة متقلبة المزاج.
ذهبت الأم إلى المطبخ لمتابعة الخدم والإطمئنان أنهم قد أعدوا وجبة الغذاء.ألقت نظرة فاحصة على الأطباق المتنوعة التي كانت تُرص بعناية، وتأكدت من أن كل شيء يسير على ما يرام قبل موعد تناول الطعام، ثم عادت أدراجها إلى بهو الفيلا حيث تركت زوجها يشاهد التلفاز ،فجلست إلى جواره لتتجاذب معه أطراف الحديث فبادرها بسؤال :
- هل تنوى سلمى النوم طوال اليوم ؟
أخبرته أنها لم تنم أمس جيداً فطلب منها أن تذهب لتطمئن عليها وتخبرها أن والدها يريد الحديث معهاً .
كانت والدة سلمى سيدة أرستقراطية من عائلة عريقة تربت على طاعة زوجها وعدم مناقشته كثيرا .. ماهى إلا دقائق وعادت إلى زوجها ممتقعة الوجه زائغة العينين وقالت وهى ملتاعة القلب :
- أدركنى يا شكرى .. سلمى لا تستيقظ والعرق يغرق وجهها .
لم يمهل الأب زوجته حتى تكمل حديثها، بل هرع إلى حجرة ابنته ليجدها فاقدة للوعي. وبقلب وجل، مد يده إلى جبينها ليجدها تعانى من الحمى، فأمر زوجته بعمل مكمادات باردة على الفور بينما أخرج هاتفه بيدٍ مرتعشة وطلب الإسعاف .
***
جلست الأم جوار إبنتها وهى منهارة من البكاء بينما وقف الأب يتحدث مع الطبيب المعالج محاولا أن يفهم سبب مرض إبنته ، لكنه لم يصل لشىء لأن الطبيب أخبره أنه سيعمل على خفض الحمى مؤقتاً ريثما ينتهى المعمل من عمل التحاليل اللازمة .
مر إسبوع كامل فى المستشفى وسلمى لازالت فى غيبوبتها يشتعل جسدها بالحمى التى لا تسجيب لعلاج ، اللهم إلا خوافض الحرارة التى ما تكاد أن ينتهى مفعولها حتى يعود الجسد للإشتعال بالحمى ثانية.
أما سلمى فأخذت تذبل رويدا رويدا ولا شىء يشير إنها على قيد الحياة إلا أنفاسها الضعيفة .
عاود الأب الإلحاح على الطبيب ليعلمه ما حل بإبنته لكن كانت إجابته واحدة فى كل مرة .
- إنتهينا من كل الفحوصات ولا شىء يدل على سبب فقدانها للوعى أو إرتفاع درجة حرارتها .
فكر الأب أن ما يحدث مع إبنته شىء خارق للطبيعة وخاصة إنها كانت طبيعية لا تشكو من شىء حتى إبتاعت تلك المرآة . فطلب من زوجته أن تبقى جوار إبنتها وإنصرف .
توجه إلى صالة المزاد بعد أن علم عنوانها من السائق الخاص بإبنته وهناك قابل المسئول وأخبره بما حدث لإبنته بعد إقتناؤها لهذه المرآة . أخبره الرجل أن المزاد الذى حضرته إبنته كان يشرف عليه الخبير الفرنسى "بروفسير فاليرى" ، إنصرف الأب بعد أن أخذ رقم تليفون الخبير وعنوان الفندق الذى يسكنه .
***
البروفسير ليوناردو فاليرى خبير القطع الأثرية جاء من فرنسا بمقتنيات مدام ايزابيل لبيعها فى صالة مزاد شهيرة فى مصر نظراً لتشبع الأسواق الأوربية بمثل هذه المقتنيات ولوجود أسواق ناشئة قوية فى بلاد الشرق الأوسط وبالفعل قام ببيع كل مقتنيات السيدة النبيلة فى مزاد واحد وبأسعار مرضية . كان قد إعتزم أن يقوم بأجازة فى مصر قبل أن يعود أدراجه إلى فرنسا وقبل عودته بيومين إتصل به أستاذ شكرى فكرى والد سلمى وطلب منه مقابلته فى شأن يخص قطعه أثرية إبتاعتها إبنته .
جلس بروفسير فاليرى قبالة أستاذ شكرى فى بهو الفندق يستمع بإهتمام لحكاية سلمى ، حتى إذا إنتهى والدها من سرد ما حدث لإبنته ،إعتدل فى جلسته وقال :
- هذه المرآة ملكًا لسيدة نبيلة فرنسية تُدعى "مدام إيزابيل دو مونتيل"، والتي عاشت حياة مليئة بالمآسي والأسرار في بلاط لويس الرابع عشر. يقال إنها كانت تمتلك قدرات نفسية خفية، وإنها استخدمت هذه المرآة كوسيلة للتعبير عن حالاتها النفسية المعقدة، وأحيانًا كوسيلة للتنبؤ. وقد وجدت هذه المرآة مع مقتنيات أخرى للسيدة فى قبو قصر قديم بفرنسا وقرر الورثة بيعها فى مزاد بمصر .
عقد الأب حاجبيه وسأل فى حيرة:
- وما علاقة إبنتى بكل هذا ؟
قال فالرى موضحاً:
- قد تكون مشاعر السيدة النبيلة قد حبست فى المرآة مما جعل بها طاقة سلبية كبيرة . أما لماذا إختارت المرآة إبنتك بالذات فقد يكون السبب أن روحها مرهفة لم تتحمل كم الطاقة السلبية المنبعثة من المرآة فسبب لها هذا هذياناً ثم فقدان وعى وحمى .
شعر الأب بالتوتر والإنزعاج فلم يعرف هل يصدق الخبير أم إنه يسير فى الطريق الخطأ ، لكنه أقنع نفسه أنه سار أولا فى الطريق المنطقى لشفاء سلمى ولم يُقصر .. ولم يختار هذا الطريق إلا بعد أن فشل الطب فى تحديد سبب مرض إبنته وعلاجها .. أفاق من أفكاره على صوت الخبير قائلاً :
- أعرف حيرتك وأتفهم جيدأً ما تشعر به ، إنك تريد أن تنقذ إبنتك بأى وسيلة ، فما يهمك الآن هو شفاؤها .
قال الأب بيأس :
- نعم ما يهمنى هو شفاء إبنتى لكن كيف السبيل لذلك ؟
نظر البروفسير فاليرى إلى لاشىء وغرق فى صمت لدقيقة كاملة قبل أن يطلب من الأب أن يحضر له المرآة .
قام الأب بفتح حقيبة ظهر كان يحملها وأخرج منها العلبة القطيفة ودفع بها إلى البروفسير قائلاً:
- إنها لم تغادر حقيبتى منذ ذهبت بها إلى صالة المزاد :
تناول فاليرى العلبة وأخرج المرآة وتحسس إطارها وسطحها الزجاجى ثم أغمض عينيه للحظات وفتحهما ونظر لوالد سلمى نظرة غامضة ثم قال :
- " هناك طاقة سلبية كبيرة تتخلل هذه المرآة ، وربما أيضا روح معذبة تريد أن ترتاح وتتحرر . ولا سبيل لخلاص إبنتك من مرضها إلا بتحرير هذه الروح لترقد فى سلام .
نظر والد سلمى إلى البروفسير وهو يحاول إستيعاب ما يقول ثم قال مستفسراً:
- وكيف يمكن ذلك ؟
نظرالبروفسير نظرة العالم ببواطن الأمور ومحاولاً توضيح ما يقصد :
- تم بيع جميع مقتنيات السيدة إيزابيل ، لكننا نحتاج لقطعة واحدة من مقتنياتها شريطة أن تكون كانت ترتديها لفترة من عمرها بحيث تخرج الروح الحبيسة من المرآة إليها .
نظر إليه أستاذ شكرى وعلامات عدم الفهم مرسومة على وجهه وقال :
- لا أفهم ما تقول .. ليتك توضح أكثر .
أكمل البروفسير كلامه وكأن شكرى لم يقاطعه أبدا:
- الروح الحبيسة فى المرآة ستعتقد أن السيدة ايزابيل هى من تلمس المرآة فتخرج منها...
- وهل هناك قطعة تصلح قد بيعت فى المزاد ؟
من ضمن مقتنيات ايزابيل كان هناك قلادة فضية لم يفرط الورثه فيه وهو الوحيد الذى يصلح لإخراج الروح الحبيسة لأن ايزابيل كانت ترتديه طوال حياتها ولم ينزع عنها إلا بعد وفاتها ، لذلك عليك السفر إلى فرنسا معى لحل مشكلة إبنتك .
سقط شكرى فى حيرة شديدة ، إبنته فى خطر فهل يتركها ويسافر وراء شىء غير أكيد ، مرت لحظات ولم يعقب شكرى على حديث فاليرى ، فقال الأخير بشكل حاسم .
- سأسافر بعد غد ، عليك أن تقرر سريعاً لو قررت المجىء معى .
أجابه شكرى فى سرعة هذه المرة:
- وهل نسيت أن إستخراج تأشيرة عاجلة يستغرق 3 أيام على الأقل من وقت تقديمها .
قال فاليرى فى حسم :
- سأتصل بالسفارة لتسريع الطلب ، كما يمكن أن أنتظرك حتى تستخرج تأشيرتك ولكن..
قال شكرى بلهفة ورجاء مقاطعاً فاليرى
- لا تقلق سأدفع لك كل تكاليفك .. كل ما تطلب ، المهم أن إبنتى يتم شفاؤها .
***
سافر فاليري وشكري إلى فرنسا، وقلوبهم يملؤها الأمل في العثور على حل للغز مرض سلمى.وبعد رحلة
لمنطقة " لورا فالى " المعرفة بقصورها الفخمة وتاريخها العريق ، والتى شهدت بلا شك فصولاً من حياة السيدة إيزابيل دو مونتيل .
وهناك تقابل شكرى وفالرى مع مدام إيملين سليلة عائلة دومونتيل والمعروف عنها إهتمامها بتاريخ عائلتها وحرصها على المقتنيات والوثائق القديمة ، ومن هنا قام باقى الورثة بتوكيلها بإجراءات بيع بعض مقتنيات السيدة إيزابيل .
إستقبلتهم مدام إيملين وقد بدى على وجهها القلق وبعض الفضول ، فهى كانت تتوقع مجىء فاليرى وحده ، ليتحدث معها كيف سارت الأمور فى المزاد ، لكن أن يحضر معه شخص أجنبى فهذا ما لم تتوقعه أبدا .
إيملين فضلت إستقبالهم فى حديقة القصر ، فهى كسيدة من عائلة عريقة وتنتمى لطبقة عُرف عنها الحذر الزائد كانت تعقد صفقاتها فى الحديقة بعيداً عن عيون الخدم والمتلصصين . بدأ فاليرى بالحديث عندما إستشعر قلق السيدة :
- مرحبا سيدة إيميلين ، عفوا كان لا بد لى أولاً أن أخبرك عن وجود ضيفاً معى .. لكن الأمر عاجل وخطير وقد حاولت مهاتفتك لكنى فشلت أيضاً .
غلب شعور الفضول والتوتر على وجه إيملين لكنها كسيدة إرستقراطية لم تنس أبدا قواعد الإتيكيت لذا رحبت بفاليرى وضيفه وإستدعت خادم ليحضر بعض المرطبات والفاكهة ثم قالت محاولة أن تخفى توترها :
- مرحباً بالسيد فاليرى وضيفه ، هل لى أن أعرف ما المسأله بالضبط؟
قام فاليرى بشرح كل شىء وأشار لشكرى أن يخرج المرآة الأثرية .
زَمت شفتيها وعقدت ما بين حاجبيها وتنهدت وهى تضع رجلها اليمنى فوق اليسرى ثم شبكت أصابعها وقالت :
- ومن يضمن لى إنك تريد العقد من أجل حل مشكلة إبنة ضيفك وليس من أجل شىء آخر .
نظر السيد فالرى للسيد شكرى ثم ثبت عينيه فى عينيها وقال :
- أعرف حذرك الشديد تجاه الغرباء ، لكن سيدة إيملين لا تنسى إننى ليوناردو فاليرى الخبير الأثرى الشهير والذى من المؤكد حريص على سمعتى أكثر من حرصك على القلادة الأثرية.. كما إنك سبق وأوكلتى إلى بيع مقتنيات جدتك وتم تحويل ثمنها إليك بعد أن أخذت عمولتى .
ضحكت ضحكة ساخرة وألقت برأسها للوراء وقالت .
- القلادة شىء آخر فهى لا تقدر بثمن لذلك لم أعرضها فى المزاد .
زفر فاليرى زفرة إحباط ويأس وهم أن يقول شيئاً عندما تحدث شكرى بعد فترة صمت إمتدت منذ مجيئه :
- سيدتى .. أعذرينى أنا أب مهدد بفقد إبنته ، ونحن لم نأت لهنا من أجل خدعة أو غيرها .. وكل ما نطلبه منك أن تحضرى القلادة لنجرى تجربة بسيطة لن تسبب لكأى ضرر، لعلها تكون سبباً فى نجاة إبنتى من خطر محتوم .
رفعت إيملين حاجبيها تعجباً وقالت :
- أوه .. إنك تتحدث الفرنسية كما لو إنك ولدت فى فرنسا .. على أى حال إشرحوا لى ماذا تريدون فعله بالضبط وسأقرر وقتها إن كنت أوافق أم لا ؟
أخذ البروفسيرنفس عميق وحاول أن يتحلى بالهدوء وسعة الصدر وهو يشرح لها ما ينتوى فعله ، أصغت السيدة لما يقول فى إهتمام وقالت :
- وما الضامن هنا لعدم تضرر القلادة أو تدميرها ؟
إنتاب شكرى شعور بخيبة الأمل والإنهيارلأن إبنته الوحيدة على وشك أن يفقدها ، فغطى وجهه بكلتا يديه وأجهش فى النحيب والبكاء مما دفع فاليرى للنهوض من مكانه وقال والإنفعال يغلف صوته :
- سيدة إيملين ، أتفهم تمامًا تخوفكِ وحرصكِ علىالقلادة. هذا أمر طبيعي ومبرر. لكن أرجو أن تتفهمي خطورة الموقف الذي تواجهه سلمى، حياتها على المحك بسبب هذه المرآة التي تحمل قصة مؤلمة من تاريخ عائلتك. مهمتنا هنا ليست صفقة بيع وشراء، بل هي محاولة يائسة لإنقاذ روح شابة....
صمت برهه ، ومد يده لتناول كوباً من الماء وُضع أمامه ثم أكمل :
-القلادة هى المفتاح لحل هذا اللغز وإنهاء معاناة سلمى. وبمجرد أن ننتهي من إستخدامه ،سيعود إليكِ دون أي ضرر. أقدم لكِ كلمتي وشرفي كخبير في هذا المجال كضمان، وإذا كان هذا لا يكفي، فإن عائلة سلمى مستعدة لتقديم أي ضمان مالي أو قانوني يضمن لكِ سلامته، وكما قلت لك سنقوم بالتجربة أمامك .
لم تجد السيدة إيملين كلاماً آخر لتقوله فهزت رأسها وذهبت لإحضار القلادة.
غابت السيدة إيملى قرابة العشرون دقيقة ، بينما إنشغل والد سلمى بكالمة هاتفية ليتابع حالة إبنته بينما تابعه فاليرى فى صمت حتى إذا ما إنتهى ، سأله عن أحوال سلمى فأجابه فى حزن وألم أن الأطباء أخبروه بخطورة الوضع ، فجسد سلمى لن يصمد طويلاً تحت تأثير خوافض الحرارة المستمرة ، فقد تسبب تلفاً للكلى لتدخل فى دوامة أكبر . قطع حديثهما قدوم السيدة إيملين وهى تحمل علبة مجوهرات أثرية من خشب الصندل المطعمة بالفضة الذى نطفأ بريقها بفعل الزمن . جلست فى بطء المشوب بالحذر وعيناها ترقب فاليرى وشكرى
ثم فتحت الصندوق لتخرج القلادة لتضعها فى راحة يدها وتتأملها.
قلادة السيدة ايزابيل المصنوعة من الفضة التى ترك عليها الزمن أثاره فأفقدها بريقها ، كان تصميمها بسيطاً لكن يحمل رقى وذوق نادر ، يتوسطها حجر من الزبرجد الأخضر يشع ببريق نابض وكأنما يمتص الضوء من حوله ثم يعاود إرساله على شكل نبضات . مضت لحظة صمت قبل أن يقول فاليرى وهو يمد يده إلى السيدة.
- لو سمحت لى سيدتى ...
فهمت إيملين ما يرنو إليه فمدت راحتها ليأخذ القلادة وكأنه يأخذ روحها .
إبتلع شكرى ريقه ، فها هى اللحظة الحاسمة تأتى .. هل اللحظات القادمة تحمل التحرر والشفاء لإبنته أم تنهى أمل واهٍ تمسك به كما يتمسك الغريق بقشة ضعيفة فى عرض المحيط .
تحسس فاليرى العقد بيديه للحظات ثم قربه من فمه وأغمض عينيه وهو يهمس بكلمات غير مفهومة ثم وضعه بهدوء فوق زجاج المرآة وهمس ببضع كلمات أخرى وما هى إلا لحظات حتى إهتزسطح المرآة بعنف وتحطم ليخرج من شقوقه دخان أزرق يلتهمه حجر القلادة عن آخره ، ثم توهج الحجر وإرتعش قبل أن يسكن كل شىء . صمت الجميع لحظات قبل أن يرن هاتف الأب فتناوله فى لهفة ، كانت مكالمة من المستشفى يزف فيها الطبيب خبر تحسن مفاجئ في حالة إبنته ، فحرارتها إنخفضت لمعدلاتها الطبيعية رغم زوال تأثير خافض الحرارة، كما إنها بدأت فى إستعادة وعيها .
تمت

.png)

Comments
Post a Comment