رواية مرآة القمر - الفصل الثانى " العبور الأول "
وضع عَلِيِّ يده على سطح الكتاب، وشعر ببرودة غريبة تغمره قبل أن يجد نفسه فجأة في عالم آخر. الهواء هناك كان مختلفًا، محملاً برائحة الزهور الغريبة والتوابل غير المألوفة. السماء كانت بلون أزرق مخضر، تضيئها شمسان تمنحان المكان دفئاً وغموضاً. الأشجار كانت ذات لحاء فضي وأوراق رمادية تصدر همسات خفيفة مع حركة الرياح اللطيفة.في البداية، كان في حالة من الذهول. المناظر الطبيعية الخلابة التي رآها كانت مذهلة وأكثر تفصيلاً وروعة مما تخيل. حيوانات لم ير مثلها قط تتحرك برشاقة بين النباتات الغريبة، بعضها يطير بأجنحة شفافة والبعض الآخر يسير على أرجل متعددة تنتهي بمخالب لامعة. وعندما عضه الجوع لم يجد سوى فواكه غريبة تشبه العنب بألوان زاهية ونكهات متنوعة. أما سكان هذا العالم فقد كانوا مسالمين يتمتعون ببشرة نحاسية وعيون زمردية واسعة . كانت لغتهم غريبة بطبيعة الحال،. والتواصل معهم في البداية أعتمد على الإيماءات، لكنه سرعان ما بدأ يلتقط بعض الكلمات الأساسية.مرت بضعة أيام .. وبينما كان يسير فى غابة متشابكة الأغصان، إلتقى برجل ملامحه مألوفة. عَرفه الرجل على نفسه بإسم زُهير، وأخبره أنه عالق هنا منذ عشرين سنة. كان يعيش في كهف صغير بالقرب من جدول ماء، حياة منعزلة تماماً.انفرج ثغره عن ابتسامة ودودة وقال لعَلى :- مرحبا بك أيها الغريب، يبدو أنك ضعت هنا مثليفوجئ عَلِيِّ أن زُهير يتحدث العربية مثله فقال له :
- من أنت ومن أين جئت؟- من أنا؟كرر زُهير سؤال عَلِيِّ بنبرة ساخرة ممزوجة بمرارة. نظر إلى السماء ذات الشمسين للحظة، وكأن ذكريات بعيدة تتجسد أمام عينيه الشاحبتين. ثم حول نظره إلى عَلِيِّ ، وعيناه تحملان قصة طويلة من الوحدة والضياع.- إسمي زُهير... مثلك تمامًا كنت أعيش حياة عادية في عالم عاديتوقف للحظة، وكأنه يختار كلماته بعناية:جئت من الأرض، من مصر تحديدا، كانت لدينا سماء زرقاء ذات شمس -
واحدة تضيء النهار، وقمر واحد ينير الليل. كانت لدينا مدن صاخبة وشوارع مزدحمة... وحياة روتينية مملة في معظم الأحيان.
ارتسمتا على وجه عَلِيِّ علامات الدهشة والفضول:إذًا انت مثلى...لكن كيف وصلت إلى هنا؟-:تنهد زُهير بعمق، وقد استرجع تلك الذكرىلقد كان ذلك منذ زمن طويل... كنت شابًا، ربما في مثل عمرك الآن. كنت -
أحب زيارة أماكن بيع الكتب القديمة... في أحد الأيام، عثرت على كتاب غريب ذو غلاف أسود لامع، لم أر مثله من قبل، وقد نقلني إلى هنا بطريقة ما بمجرد لمسى لسطحه .
نظر زُهير إلى الكتاب الذي يحمله عَلِيِّ للحظة وجيزة وقال متسائلا:- كيف حصلت على نسخة مماثلة لكتابي؟قال عَلِيِّ مفسراً :- لقد وجدت الكتاب في مكتبة جدى ولا أعلم بوجود نسخة أخرى منه... لكن لماذا لم تفكر في العودة لبلدك كل هذه السنوات؟هز زُهير رأسه ببطء وقال وفى عينيه حزن دفين:- حاولت مرارًا وتكرارًا أن أفهم كيف يعمل هذا الكتاب، لكن دون جدوى... يبدو أن البوابة فتحت مرة واحدة فقط، أو ربما لم أهتدى لطريقة عملها.أضاف زُهير بنبرة أشد حزنًا:- بمرور الوقت، فقدت الأمل. تلاشت ذكريات عالمي ببطء، وأصبح هذا المكان الغريب هو واقعي الجديد. لقد تعلمت كيف أعيش هنا، كيف أتجنب المخاطر، كيف أجد الطعام والماء. لكنني دائمًا سأبقى غريبًا، عالقًا بين عالمين لا أنتمي إلى أي منهما .نظر عَلِيِّ إلى زُهير بعينين مصعوقتين وقال بصوت مرتعش :
- هل معنى هذا أننى حبست أيضا معك فى هذا العالم ؟أجاب زُهير:- للأسف أعتقد هذا. إلا إذا أ..قاطعه عَلِيِّ بلهفة:- إلا إذا ماذا؟قال زُهير موضحاً:
- إلا إذا نجحت في فهم كيف يعمل الكتاب ليفتح البوابة.سرح عَلِيِّ ببصره وحاول اعتصار ذهنه ثم قال بشرود:- لقد لمست سطح الكتاب عندما وجدته في مكتبة جدي ولم يعمل. لكنه تغير وبدى كمرآه سائلة تظهر مشاهد خلابة من هذا العالم عندما كنت في غرفتي. وبمجرد وضع يدي عليه وجدت نفسي هنا .قال زهير مستفسرا:- تقصد أن الكتاب يعمل في ظروف معينه .لمعت عينا عَلِيِّ ببريق لافت وانفرجت شفتاه بابتسامة عريضة وقال متحمساً:- لقد كان القمر بدرا وتغير مظهر غلاف الكتاب عندما..فرقع عَلِيِّ أصابعه وأكمل بحماس:- أعتقد أن الكتاب يفتح البوابة عندما يسقط عليه نور القمر في ليلة اكتماله .رد عليه زُهير وخيبة الأمل تغلف صوته:- لكن لا يوجد قمرهنا، كيف نعود في رأيك؟إعتصرعَلِيِّ عقله لكنه لم يستطع الوصول لشيء فقال محاولا طمأنة نفسه:- سأجد وسيلة بإذن الله لفتح البوابة.نظر زُهير إلى عَلِيِّ بنظرة فيها مزيج من الشك والأمل الضعيف:-هل تعتقد ذلك حقًا يا فتى؟ بعد كل هذه السنوات... هل تعتقد أن هناك أملًا للعودة إلى الوطن؟قال عَلِيِّ مؤكداً:- نعم أعتقد ذلك. الأمل في الله دائما، .. ولكن قل لي يا زُهير، كيف تحسب الأيام هنا؟ أعنى لا يوجد هنا سوى شمسين، فكيف تميزون بداية اليوم من نهايته؟ابتسم زُهير ابتسامة غامضة، ولمعت عيناه كما لو أنه ينظر إلى شيء لا يراه أحد سواه، وقال بصوت هادئ:- في أزوريا، لا تغرب الشمسان في آنٍ واحد. بل يتناوبان على حراسة السماء. حين تبدأ إحداهما في المغيب، تتأهب الأخرى للشروق من الجهة المقابلة، فلا ظلمة تامة ولا نهارٌ صافٍ تمامًا. إنها دورة لا تنكسر، كأن الزمان فيها يدور في حلقة لا تنتهي.ثم تابع وقد ازدادت نبرته شاعرية:- ولكن هناك لحظة فريدة، لا تدوم سوى بضع دقائق، حين تقترب الشمسان معًا من الأفق، إحداهما توشك على الغروب، والأخرى توشك على الشروق. في تلك اللحظة، يغمر المكان ضوء أزرق خافت، كأن الضباب قد ذاب في السماء ، وكأن العالم كله يحبس أنفاسه. لذلك نسمى تلك اللحظة نَفَس الكون، عندها نعلم أن اليوم قد انقضى وأن غدا جديداً يوشك أن يولد .أومأ عَلِيِّ برأسه متفهماً:- الآن فهمت.. لقد حاولت حساب أيامى هنا قبل مقابلتك لكنى فشلت .رد زُهير مبتسماً:- سألت السؤال نفسه في أول أيام مجيئي إلى هنا...لكنى اعتمدت في حساب أيامى على ساعة كنت أحملها معي عند عبوري وقمت بتسجيل ذلك باهتمام، بعد ذلك توقفت الساعة عن العمل فتعلمت حساب أيامى بالطريقة التي يحسب بها أهل أزوريا أيامهم .قال عَلِيِّ مستفسراً:- واليوم هنا كم ساعة؟أجاب زهير وقد عادت إليه نبرته الهادئة، وكأنه يشرح شيئًا مقدسًا:- 48 ساعة بالضبط. من بدء فترة " نَفَس الكون " إلى الفترة التي تليها، أما عدد الأيام في الشهر15 يوما. أما السنة، فهي تتكوَّن من 12شهراً.فغرعَلِيِّ فاهُ وقال متعجباً:- أتعرف يا زُهير.. السنة الأرضية تساوى في مجملها السنة الأزورية رغم اختلاف عدد ساعات اليوم وعدد أيام الشهر .قال زهيرمبتسماً:- نعم لاحظت ذلك .
: عقد على حاجبيه وقال مستفسراً
- لكن ألم تحاول الاندماج مع أهل أزوريا ..
نظر زُهير حوله بعينين حزينتين وقال:
- حاولت في البداية، لكن كان هناك حاجز لغوي وثقافي كبير. كانوا لطفاء في معظم الأحيان، لكنني شعرت دائمًا بالاختلاف، بأنني لست واحدًا منهم. بمرور الوقت، فضلت العزلة. الوحدة أصبحت رفيقي. سنوات طويلة يا فتى في هذا العالم... إنه رائع، لكنه ليس موطني.صمت قليلاً ثم أكمل:- لقد تعلمت الكثير عنه، عن نباتاته وحيواناته... وحتى عن سكانه.. إنهم مختلفون ولطيفون في معظم الأحيان، لكن لديهم طرقهم وقواعدهم التي يصعب
فهمها دائماً.. لقد قبلوني منذ البداية، لكنني دائماً سأبقى غريباً عنهم.. مثلك تماماً.
نهاية الفصل الثاني... انتظرنا الإثنين القادم مع الفصل الثالث من رواية مرآة القمر
لقراءة الفصل الأول إنسخ الرابط التالى فى صفحة جديدة أو
إضغط على الثلاث شرط بجوار إسم المدونة ( ظل القلم ) ستفتح لك قائمة إهبط إلى أسفلها ، أدخل على زرlabel وأختر novels
https://ola1mohamed1morsy.blogspot.com/2025/07/blog-post_21.html
يسعدنا قراءة تعليقاتكم

.png)

Comments
Post a Comment