مركب النسايب - مذكرات طبيب أطفال
كنت في حجرة الكشف مع آخر مريض عندي في العيادة ، عندما استأذن للدخول عبد الله ،الطبيب حديث التخرج الذى عمل مؤخراً عندي في عيادتي الشاملة .. كان ممتقع الوجه زائغ العينين وحبات العرق تنحدر من جبهته ، فقلت له وقد هالني الأمر
- ماذا دهاك ؟
ابتلع ريقه وقال مستغيثاً بي :
- أرجوك يا دكتور.. الحقنى .
لم يكد يلقى بجملته حتى اندفع خارج الحجرة ، فاستأذنت من مريضي وذهبت خلفه ورأسي يدور بألف فكرة سوداوية.
***
كانت ممددة على سرير الكشف وقد غلفت جسدها زرقة، أطرافها باردة شاخصة البصر.
قال لي وأنا أحاول إنعاشها بتدليك قلبها:
- لقد جاءت تعاني من أزمة في صدرها.. حاولت إسعافها بحقنة أمينو فيلين، لكنها انهارت تماما ثم ماتت.. أقسم لك يا دكتور لم أكن السبب. إنها.. إنها.
التفتُ إلى زوج المريضة الذي كان أكثر انهيارا من عبد الله فالأحرى بي أن أهدأه وأعزيه في مصيبته عن أن ألتفت لعبد الله:
- البقاء لله، لقد نفذ قضاء الله قبل أن نسعفها، المريضة جاءت للعلاج متأخرة.. قدر الله وما شاء فعل.
كان زوجها واجما، لا يصدق أنه اصطحب زوجته على قدميها لكنها الآن ستعود معه وقد أسلمت روحها إلى بارئها. ثم بدأ يهذي بكلمات لم أتبينها فربتُ على كتفه محاولاً مواساته والتخفيف عنه.
***
كنت أقف أمام باب العمارة التي بها عيادتي عندما خرجت السيدة محمولة على الأعناق يصحبها الصراخ والعويل بعد أن جاءتها على قدميها.
كان الدكتور منجد يجلس في صيدليته ينظر إلى نظرة يشملها الشماتة والتشفي.. دلفتُ إليه بالرغم من انى موقن أنه لا يحبني وينتهز الفرص حتى يتمكن من فض شراكته معي في العيادة الشاملة ، إلا إنني كنت متوقع أن يقول لي شيئاً يخفف عنى ما حدث ولو من باب المجاملة ، لكنه قال لي وهو لا يخفى فرحته :
- اسمع يا محمود ... العيادة بالشكل ده في خسارة مستمرة.. إيه رأيك تأخذ فلوسك ويا دار ما دخلك شر.
قلت له في هدوء:
- ألم نتحدث عن هذا الموضوع من قبل.. لن أترك العيادة التي بنيتها بتعبي وكدى.
رد على محبطاً:
- لكن الإيراد كل شهر يقل عمن قبله وأنا..
قاطعته قائلاً:
- أنت تعلم تمام العلم إننا نقترب من فصل الشتاء ومن الطبيعي أن يقل الإيراد.. وهذا لا يحدث لناعلي وجه الخصوص بل لكل من يعمل في المجال الطبي.
لم يستطع منجد أن يدارى ما يدور في صدره فانفلت منه هدوءه، وصرخ في انفعال:
- يا أخي أنا حر ... لا أريد الاستمرار في هذه الشراكة، سأعطيك ثلثي نصيبك والباقي سأقسطه لك على ستة أشهر.
نظرت له بازدراء ولم أرد عليه حتى بكلمة، فقط استدرت وعدت أدراجي.
***
عدت إلى شقتي والهموم والتعب يغلفاني.. فتحت الباب فإذا بابنتي الكبرى ذات الرابعة عشر ربيعاً مقبلة على عندما سمعت صوت المفتاح يدور في الطبلة معلناً عن مجيئي، كانت تحمل في يدها كتاباً وتشير إليه ففهمت إنها تريد منى أن أشرح لها شيئاً قد أغلق عليها فهمه، فرجوتها أن تتركني وشأني لأني مجهد وجائع فقالت متذمرة:
- يا بابا أنا لا أجدك طوال الوقت.
لم أجيبها لأن الحديث معها إذا بدأ لن ينتهي إلا بشق الأنفس، فقط تركت جسدي على الأريكة دون أن أبدل ملابسي فقد بلغ بي التعب مداه، ألقيت برأسي للوراء وأغمضت عيني، لكن ما هي إلا لحظات حتى مرت زوجت إلى جواري حاملة أطباق الغذاء في طريقها لحجرة الطعام، فتوقفت برهة عندما ألفتني بتلك الحالة وقالت محتجة:
- ما هذا يا محمود ؟!... هيا اذهب وبدل ملابسك، الغذاء على الطاولة.
***
كنت جالساً ألوك الطعام في فمي ولا أشعر بطعمه ، لاحظت زوجتي ما بي من كدر فسألتني عما حل بي.. هززت راسي ثم نهضت .
جلست في حجرة نومي على حافة السرير أمام المرآة، لم أكن أنظر لانعكاس صورتي، بل كنت أسبح في خضم مشاكلي المعهود ،عندما دخلت زوجتي حاملة في يدها كوباً من الشاي .وضعت الكوب إلى جواري قائلة :
- مالي أراك واجماً، هل حدث شيء؟
قلت لها في ضيق:
- زوج اختك.
قالت مستفسرة:
- تقصد منجد.. هل حدث بينكما شيئاً آخر؟
- الموضوع الذي لا يمل من تكراره.. استحواذه على العيادة.
قالت لي ناصحة:
- اتركها له، وسد الباب الذي يأتيك منه الريح.
أجبتها متعجباً.
- كيف ذلك؟ بعد أن بنيت لنفسي سمعة طيبة وعرفني الناس في المنطقة، فكيف لي أن أبدأ من جديد في مكان آخر.
أخرجت زفيراً من صدرها ثم قالت:
- إذن ادفع له نصيبه ودعه يترك لك العيادة.
أخذت رشفة من الشاي ونهضت قائلاً:
- ومن أين لي بنصف مليون جنيه الآن.. الكلام لا طائل من وراءه، دعينى لأستريح قليلا وإيقظينى بعد ساعتين لأذهب للعيادة.
لم تكد تمر ساعة حتى رن هاتفي المحمول فأجبت ولا زال النوم في جفوني، كانت حنان موظفة الاستقبال في عيادتي الشاملة تخبرني بضرورة حضوري في الحال لوجود حالة مستعجله .
لم أستغرق أكثر من ربع ساعة وكنت على الباب أهم بالخروج عندما جاءتني مروة وفى يدها نفس الكتاب، فابتسمت لها وطبعت قبلة فوق جبينها معتذرا ثم انصرفت .
***
عدت للمنزل وعقاربها قد تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل، منهوك القوى وجسدي يستغيث طالباً للراحة والنوم .
ألقيت بجسدي على أقرب مقعد لباب الشقة، عندما أقبلت زوجتي مثائبة وهي تفرك عينيها وقالت :
- العشاء مغطى على الطاولة، سأذهب لتسخين الخبز لك.
تناولت عشائى ثم خلدت إلى النوم .. تناسيت مشكلتي، فقد ذابت مؤقتاً في خضم أيامى المتلاحقة بين البيت والعيادة.
حتى كان يوما جاءتني زوجتي تبشرني أنها وجدت حلاً لمشكلتي مع منجد فتهللت أساريري وأصغيت لها فإذا بها تقول:
- زوج أختي الصغرى ممدوح، يريد أن يصبح شريكاً لك بدلا من منجد عندما علم بالمشاكل التي بينك أنت ومنجد.
نظرت لها نظرة غاضبة وقلت في عتاب ولوم:
- ألم أقل لك أكثر من مرة أن تكفي عن نشر أسرار عملي عند أهلك، ثم من أدراني ألا يفعل بي مثل منجد وأصبح كمن خرج من جحر صغير ليقع في منحدر كبير .
قالت لي محاولة الدفاع عن نفسها:
- أنا أحاول أن أجد حلاً لمشكلتك مع منجد، ولا تقلق من ممدوح فهو يعمل في أمريكا ويريد استثمار مدخراته بدلا من إيداعها في البنك. ها ما رأيك؟
وضحت لها أنه من المحتمل أن يرفض منجد الفكرة لأنه يطمع في العيادة وحتى إن وافق وخرج من الشركة فكيف أمنعه من استخدامه لأساليبه القذرة لصرف الزبائن عن العيادة .
ففي واقعة السيدة التي توفيت الأسبوع الماضي بلغَني أنه يشهر بي كطبيب ويحكى لرواد صيدليته عن الواقعة بطريقة تجعل المرضى ينفرون من العيادة وكأنني حانوتي ولست طبيباً .
.لكنها طلبت منى أن أجرب ولا أعبأ بمكائده عسى أن ترتد إلى نحره، فهززت راسي وقلت لها أنى سأفكر في الأمر.
تمت

.png)
بالتوفيق إن شاء الله 🌹
ReplyDeleteبرافو سرد القصة جميل جدا
ReplyDeleteسعيدة جداً أن القصة قد أعجبتك
ReplyDelete