أسرار الوجوه
في محطة قطار مزدحمة، حيث تتداخل أصوات الإعلانات مع خطوات المسافرين المتسارعة، كان يجلس رجل عجوز وحيد على
مقعد
خشبي. لم يكن الرجل ينتظر قطارا، بل كان ينظر بشرود إلى الجموع المتدفقة، وكأنما
يراقب مسرحية صامتة تدور أمامه.
كان علي شابا ينتظر قطاره، يشعر
بالفضول تجاه هذا الرجل العجوز. كان الرجل يتميز بملامح وقورة وعينين تحملان نظرة
عميقة، وكأنها تختزن الكثير من التجارب.
إقترب علي وجلس على مسافة منه. بعد
لحظات من الصمت ، سأل علي بنبرة مهذبة: "هل تنتظر قطارًا؟"
نظر إليه الرجل ببطء وهز رأسه
بالنفي. ثم قال بصوت هادئ رزين: " انا هنا لتأمل الوجوه"
إستغرب علي من إجابته وسأله:
"وما الذي يجذب انتباهك في الوجوه؟"
تنهد الرجل تنهيدة عميقة وقال:
"كل وجه يحمل قصة لم تروَ. فرحا خفيفا، قلقا مكتوما، أملا يتشبث بالحياة...
يمكنك أن ترى الكثير إذا تعلمت كيف تنظر."
أصغى علي بإهتمام للرجل الذى تابع
حديثه : "انظر إلى تلك المرأة التي تسحب حقيبتها بثقل. ربما عائدة إلى منزل
ينتظرها فيه أحباء، أو ربما عائدة إلى وحدة تخاف منها. وهذا الشاب الذي يبتسم وينظر
لهاتفه المحمول... ربما تلقى خبرا سعيدا، أو ربما يحاول إخفاء حزنه خلف ابتسامة
مصطنعة."
بدأ علي ينظر إلى الجموع بنظرة
مختلفة، محاولا أن يتخيل القصص الكامنة وراء كل وجه عابر. شعر بأن ضجيج المحطة قد
خفت قليلا، وأن هناك قصصا تختفى خلف كل وجه من الوجوه العابرة.
قال الرجل بعد صمت طويل:
"الحياة رحلة سريعة، مثل هذا القطار الذي سيأتي بعد قليل. لكن اللحظات التي
نقضيها في التأمل، في محاولة فهم الآخرين وفهم أنفسنا، هي اللحظات التي تمنح
الرحلة معناها الحقيقي."
نهض علي عندما أعلن عن وصول قطاره.
نظر إلى الرجل بامتنان وقال: "شكرا لك... لقد علمتني شيئا مهما."
إبتسم الرجل إبتسامة خفيفة وقال:
"القصص موجودة دائما حولنا... فقط تحتاج إلى من يصغي إليها بعين القلب."
صعد علي إلى القطار، لكن نظرته إلى
الوجوه من حوله كانت قد تغيرت. لم تعد مجرد نظرة عابرة، بل أصبحت تطل على نوافذ لعوالم
خفية، تذكره بأن كل إنسان يحمل في داخله حكاية تنتظر من يقرأ سطورها الصامتة.
تمت
.jpeg)
.png)

Comments
Post a Comment