الليلة الدامية

 


في غرفة خافتة الإضاءة، حيث تتداخل ظلال الأثاث القديم، وقف "يوسف" ذو السنوات العشر، يرتدي بدلة كاملة أنيقة، وكأنه قطع من عالم آخر ووضع في هذا المشهد المربك. كانت عيناه الصغيرتان مثبتتين على كتف رجل ضخم يقف أمامه، بينما كان يعطي ظهره لما يحدث خلفه.

لم تكن الخلفية مجرد جدار، بل كانت وجوها حقيقية، رجالا ذوي ملامح قاسية ونظرات قلقة، يحيطون بشخص يئن بخفوت ممددا على طاولة فى منتصف الغرفة ، قميصه ملطخ ببقع داكنة. كان يسمع همسات الكبار، كلمات مثل "رصاصة" و "نزف" و "يجب أن نصمت". لم يفهم يوسف معنى كل هذه الكلمات، لكنه شعر بالخوف يتسرب إلى قلبه الصغير.

كان قد إرتدى هذه البدلة قبل ساعات لحضور حفل عائلي بسيط، لكن الأجواء إختلفت فجأة بوصول هؤلاء الرجال وجلبهم معهم هذا الرجل المصاب. شعر بأن عالمه الصغير قد إنقلب رأسا على عقب.

كان يعرف بعض هؤلاء الرجال. كانوا يأتون أحيانا إلى منزلهم ويتحدثون مع والده بصوت منخفض في غرفة مغلقة. كانوا دائما يبدون متوترين. الآن، هم مجتمعين في غرفة المعيشة، وعم "صالح" الذي كان يداعبه دائما ممددا على الطاولة يتأوه.

كان عقله الصغير يحاول حماية نفسه من بشاعة المنظر، رافضا إستيعاب ما يحدث. ربما كان خائفا من النظر إلى عم صالح بتلك الحالة. أو ربما كان هناك شخص آخر أمامه يوجه إليه تعليمات صامتة بعدم الالتفات.

شعر بنظرة حادة من والده، نظرة قلقة تحذره من الاقتراب أو طرح الأسئلة. فهم أن هناك سرا ثقيللا يخيم على الغرفة.

في تلك الليلة، لم يستطع النوم. ظلت صورة قميص عم صالح الملطخ بالدماء عالقة في ذهنه، بالإضافة إلى وجوه الرجال القلقة ونظرة والده الحائرة. شعر بأن شيئا ما قد تغير في عالمه الصغير إلى الأبد.

تمت

Comments

Popular Posts