بلا سبب واضح


لم تكن تبكي كثيرًا في العادة. كانت تحفظ دموعها جيدًا، تكدّسها في الزوايا الخفية من قلبها، تؤجلها لأيام لن تأتى، أو ربما تؤمن أن البكاء ترفٌ لا يليق بمن عليه أن يواصل كل يوم دون توقف.
ذلك المساء، لم يحدث شيءٌ إستثنائي. لم تتلقَّ خبرًا مفجعًا، لم تخسر أحدًا، لم يُكسر قلبها من جديد، ولم يخذلها صديق. لكنها جلست على أرض الغرفة، وأسندت ظهرها إلى السرير، وأخذت تبكي. بكاء خافت، يشبه تساقط المطر في ليلة باردة، لا يوقظ أحدًا لكنه لا يتوقف.
كانت الغرفة نصف مضاءة، غارقة في الصمت. ستائرها مشدودة على عالم لا يعنيها كثيرًا. الغطاء على السرير مهمل، والوسادة تفتقد دفء الرأس الذي هجرها. كان كل شيء من حولها يوحي بأنها لم تعد كما كانت، وأن شيئًا ما في داخلها يتآكل بهدوء منذ زمن.
لم يكن هذا الحزن وليد اللحظة. كان شيئًا قديمًا، كالغبار المتراكم على رفوف القلب. الوحدة لم تكن صاخبة، لكنها كانت قاسية. تكتفي بأن تجلس إلى جوارها، تضع يدها الباردة على كتفها، وتهمس: "لن يأتي أحد"
أغمضت عينيها، ومدت يدها إلى الدفتر الصغير على طرف السرير. كانت تكتب فيه أحيانًا، لا لتبوح، بل لتتذكر أنها ما زالت موجودة. فتحت صفحة جديدة، وكتبت بخط مرتجف:
"أنا متعبة. لكنني ما زلت هنا."
لم يكن ذلك نصرًا. لم يكن قرارًا، ولا إعلانًا لصعود. كان فقط إعترافًا صادقًا، لحظة مواجهة مع نفسها. شعرت حينها أنها إستعادت جزءًا صغيرًا من صوتها، من ظلّها، من حقيقتها.
أغلقت الدفتر ببطء، وأخذت نفسًا عميقًا. الدموع لم تتوقف، لكنها كانت مختلفة. كأنها تذرف شيئًا قديمًا، ثقيلًا، لا إسم له.
تمت

 

Comments

Popular Posts