رواية مرآة القمر - الفصل الثالث - المعالج الغريب.

 

بدأ عَلِيِّ  يقضي وقتًا أطول مع زُهير، الذي كان بمثابة مرشداً له في هذا العالم. تعلم منه الكثير عن الأماكن الخطرة والنباتات السامة والتقاليد الأساسية للسكان. كما ساعده زُهير في تعلم لغتهم بشكل أسرع.

في إحدى المرات، بينما كانا يتحدثان بالقرب من كهف زُهير، لاحظ عَلِيِّ  أن بعض النباتات القريبة تذبل. فتذكر أنه كميائى وفحص النباتات عن كثب. 

قال عَلِيِّ : 

-"أعتقد أن هناك نوعًا من الفطريات تهاجم هذه النباتات"

أبدى زُهير إهتمامًا وقال :

-هل يمكنك فعل شيء حيال ذلك؟ هذه النباتات مهمة لسكان أزوريا .

قال عَلِيِّ موضحاً ما عزم على فعله :

-  سأفحص البيئة هنا وأحاول عمل تركيبة تقضى على الفطريات ..آه صحيح لم تقل لى ماذا تعنى كلمة أزوريا؟ 

إبتسم زُهير إبتسامة غامضة وقال :

-  تعنى السماء ذات الشمسين 

***

بدأ عَلِيّ يجمع ملاحظاته بهدوء، وهو يراقب النباتات المصابة حوله، ثم سأل زُهير :

- " ما هى الأمراض الشائعة فى أزوريا "

صمت زُهير قليلا وكأنه يجمع أفكاره ثم قال :

-  فى الواقع لا أملك حصر لأمراض الناس هنا ، لكن من واقع خبرتى أشهر الأمراض هنا هى صداع الرأس وتطبل البطن ومرض الخضرة .

ضاقت عينا عَلِيّ عند سماع إسم المرض الأخير فقال مكرراً :

-  مرض الخضرة !!

أجاب زُهير موضحاً :

-  إنه إلتهاب جلدي معروف في أزوريا يغير لون الجلد إلى اللون الأخضر.

بدا على وجه زُهير التساؤل عن سبب هذه الاستفسارات المفاجئة، لكن عَلِيّ لم يلتفت و بدلاً من ذلك، إستفسر عن طريقة تعاملهم مع المرض، فأجابه زُهير :

-  الكثير من السكان هنا يلجأ إلى الأعشاب المحلية للعلاج، ويعتمد على التجربة حتى يعثر على النبتة المناسبة للعلاج. صمت لحظة كمن تذكر شيئاً ثم قال :

- لقد عانيت سابقًا من فطر في أظافرى، وتعافيت بعد استخدامى عشبة تُدعى "اليراعة الزرقاء.

هنا لمعت الفكرة في ذهن عَلِيّ، وإقترح تجربة خلاصة هذه العشبة على النباتات المصابة، فقد يتوصل في تلك التجربة لعلاج ناجح للنباتات المصابة. وافق زُهير بحماس، وقد راقت له الفكرة التي لم تخطر بباله من قبل.

***

لم تفلح تجارب عَلِيِّ  الأولية فى علاج النباتات المصابة بعشبة اليراعة الزرقاء ثم تذكر أن ملح كبريتات النحاس له خصائص مطهرة ضد الفطريات ويستخدم فى الصباغة أيضا فسأل زُهير عن المادة المستخدمة فى صباغة الملابس باللون الأزرق فأرشده الى مركب "فيوريت الزرقون" المستخرج من معدن "الحجر النارى" المتوفر فى هذا العالم بكميات كبيرة مثل وفرة الحديد  وأملاحه عندنا . ذهب عَلِيِّ  مع زُهير ليرى المعدن ومركبه المستخدم فى الصباغة . وهناك جوار شجرة كبيرة أشار زُهير لعَلِي على مركب فيوريت الزرقون .

نظر عَلِيِّ  منبهرا بما يراه ومد يده يلمس الأرض ويفرك المركب بيديه ثم سأل زُهيراً:

- وكيف يستخلصون المركب من شوائب الأرض؟ "

قال زُهير موضحاً:

-" يقومون بنخل التربة .. لدى منخل فى الكهف يمكننا إستخدامه " 

****

قام عَلِيِّ  بطحن أوراق"عشبة اليراعة الزرقاء"ومركب " فيوريت الزرقون "  وخلطهم بنسب مختلفة. وقام بتجربة كل مخلوط على النباتات المصابة حتى توصل للنسبة الصحيحة . ثم رش هذا المخلوط على النباتات المصابة ، فبدأت بالتحسن حتى تعافت تماما .

مرت بضعة أيام وبينما عَلِيِّ يجلس مع زهير فى خيمته جاءه أحد السكان المحليين ليبلغه بأمر ما :

- السلام عليكم أيها الغريب .. الشيخ روهان يريدك فى خيمته . 

بدى على عَلِيِّ القلق والحيرة فطمأنه زُهير قائلا :

-  لا تخف .. الشيخ روهان هو حاكم أزوريا ولا أعتقد أنه يريدك فى أمر يستدعى القلق .. ولكى تطمئن سآتى معك.

***

وصل عَلِيِّ وزُهير لخيمة الشيخ فى صحبة الرسول ..لكنه عندما أزاح ستارة الخيمة المصنوعة من نسيج سميك بلون الرمل المُعتم، داهمته رائحة غريبة، مزيجٌ بين بخور عتيق وأعشاب طبية يابسة. الهواء في الداخل أثقل مما توقّع، مشبعٌ بعطر يشبه رائحة الخشب المحترق ممزوجًا بعطور شرقية.

كانت الخيمة أكبر مما توحي به من الخارج. سقفها المرتفع يتدلّى منه حبل طويل عُلِّقَتْ عليه عناقيد من الريش الملوَّن، وخرزات حجرية خضراء وزرقاء كأنها تحرس المكان. في الزاوية اليمنى، استقر موقد دائري صغير تتراقص فوقه نار هادئة، عليها جفن’ تحتوى على بخور يحترق وينتشر فى المكان .

أما الأرضية فكانت مفروشة بطبقات من السجاد الغليظ المزخرف بنقوش بدائية بدت لعليّ مألوفة بطريقة غامضة، كأنها نسجت من أعماق ذاكرته المنسية.

في مركز الخيمة، وُضعت وسائد دائرية من قماش ناعم يلمع تحت الضوء الخافت، وفى منتصفها طاولة خشبية منخفضة تتوسطها كرة كريستالية شفافة تغلفها هالة خفيفة كأنها تتنفس.

أما جدران الخيمة الداخلية، فقد عُلِّقَت عليها خرائط قديمة كُتبت بلغة لا يعرفها، وجلود محفور عليها طلاسم، وأعواد أعشاب مجففة رُبطت بخيوط من شعر الخيل.

وكان الشيخ روهان يجلس في عمق الظل، على بساط مرتفع قليلًا، وخلفه رفوف خشبية عليها صفوف من القوارير، كل منها يحتوي سائلًا بلون غريب، وبعضها بدا كأن فيه ضوءًا خافتًا ينبض من الداخل.

لكن ما شدّ انتباه عليّ أكثر من أي شيء، هو أن الخيمة بدت كأنها لا تنتمي إلى مكانٍ بعينه… كأنها تجمع أشياءا شتى من كل العوالم. 

أفاق على من تأملاته عندما وكز زُهير كتفه ليُحَى الشيخ . فقال محاولا تدارك أمره :

- السلام عليكم شيخ روهان علمت من رسولك طلبك لحضورى إليك 

إعتدل الشيخ روهان فى جلسته ، كان يرتدي رداءًا أخضر مطرزًا بخيوط فضية دقيقة، مد يده إلى جيبه وأخرج كيساً صغيراً مصنوعاً من جلد ناعم أسود. فتحه وكشف عن كمية من "دموع الشمس" الذهبية المتلألئة ، ثم قال :

- أهلاً بك أيها الغريب، لقد أظهرت لنا حكمة نافعة وعالجت مرضًا أرهق أرضنا زمنا طويلا وهذه مكافأة بسيطة تعبيرًا عن شكرنا وتقديرنا لفعلك النبيل.

تطلع عَلِيِّ  إلى القطع الذهبية بذهول. لم يكن الذهب في عالمه بهذه الصورة. لكنه يظل ذهبا ولا تخطئه العين . وقال فى سعادة :

- شكرًا لكم ..إسمى عَلِيِّ .. لكن كيف عرفت يا شيخ روهان ؟ .. نحن لم نبلغ أحدأً بعد أننا عالجنا النباتات."

إبتسم الشيخ روهان إبتسامة غامضة وقال :

-  لست وحدك يا عَلِيِّ ، فقد رآك أحد الحراس وظن أنك تعبث بنبات أزوريا فطلبت منه أن يتمهل ويراقبك لفترة أطول ، وعندما شاهد النباتات المريضة تتعافى أبلغنى فقررت مكافأتك .

قال عَلِيِّ محاولا إظهار تواضعه وحسن خلقه :

- لكنى لم أعمل وحدى .. لقد ساعدنى زهيراً ولولاه ما توصلت للعلاج المناسب ."

قال زهيرا نافيا :

- لقد ساعدته فقط فى أبحاثه ، لكنه وحده الذى ينسب له الفضل .

قال الشيخ روهان :

- لن نبخس حق زُهير ولا بد له ان نعطيه مكافأة أيضا

ثم مد يده بكيس آخر من دموع الشمس أعطاها لزُهير.

****

كان عَلِيِّ  دائم النظر لسطح غلاف الكتاب آملا تغير مظهره فى لحظة ما، تُمكنه من العودة إلى وطنه ، لقد إفتقد جده كثيرا وغلبه الحنين إلى سارة حب عمره. لكن لم يتغير مظهر سطح الكتاب مما أصابه بالضيق والحزن ، وبينما هو غارق فى أفكاره ، جاءه أحد سكان "أزوريا" طالبا منه أن يأتى معه لمقابلة شيخ القبيلة روهان وهناك ، قام عَلِيِّ  بتحية الشيخ ثم جلس بين يديه عندما أشار له بذلك .

- أيها الغريب ، أنت رمز المعرفة والخير وقد قمت من قبل بإنقاذ نباتاتنا من المرض الذى كاد أن يقضى عليها ، ونأمل أن تحل لنا مشكلة أخرى قد أصابت المياه التى نشربها وتشربها حيواناتنا .

إنفرجت شفتا عَلِيِّ عن إبتسامة واسعة وقال :

- أشكرك يا شيخ " روهان " على ثقتك فى وأتمنى أن أكون عند حسن ظنك . كما أرجو أن تنادينى بإسمى ، انا عَلِيِّ  .

أومأ الشيخ برأسه متفهماً وقال شارحاً مشكلته:

- يا عَلِيِّ  لقد تفاقمت لدينا مشكلة تلوث مصدر المياه في "أزوريا "، وبدأ القلق ينتشر بين السكان بسبب ظهور أعراض مرضية، نرجو منك أن تتوجه إلى المنبع الرئيسي للنهر الصغير الذي يغذي بلدتنا ،فقد أصبح الماء عكرا وتحول إلى اللون البني المخضر، بالإضافة إلى رائحة كريهة لم تكن موجودة من قبل. 

عقد على بين عينيه محاولاً قدح ذناد فكره لتفهم المشكلة ثم قال بعد برهة :

- سأقوم بفحص ماء النهر ، وإن شاء الله سأجد حلا للمشكلة .

إبتسم الشيخ وكله أمل قائلاً :

- مستقبل " أزوريا " يعتمد عليك يا عَلِيِّ .

قال عَلِيِّ محاولاً طمئنة الشيخ :

- لا تقلق يا شيخ روهان ولا تتعجل حل المشكلة فسوف أحتاج وقتا وكذلك بعض الأدوات والمواد الخام المحلية . وأرجو منك أن تعين معى مساعدا لإنجاز هذه المهمة بالإضافة إلى زُهير .

هز الشيخ رأسه موافقاً على كلام عَلِيِّ ثم أمر أروان أحد مساعديه أن يصحب عَلِيِّ إلى نبع النهر الصغير وينفذ أوامره.

****

طلب عَلِيِّ  من أروان أن يحضر له عدة أوعية شفافة للفحص وكذلك بعضا من البلورات الشفافة  وطلب مكان مخصص له ليجرى تجاربه حتى يتمكن من العمل بسلاسة.

جلب عَلِيِّ  عينة من الماء وفحصه فحصا دقيقا، مستخدمًا وعاءً شفافًا ، كما إستخدم أحد البلورات الشفافة التي تأخذ شكل العدسه المحدبة لتكبير محتويات قطرة من الماء فوجد طحالب دقيقة وكائنات حية صغيرة تسبب هذا التلوث.

تذكر عَلِيِّ  مبادئ الترشيح التي تعلمها في دراسته للكيمياء. كان يعلم أن تمرير الماء عبر طبقات من مواد مختلفة ذات أحجام حبيبات متدرجة يمكن أن يحجز الجزيئات العالقة والكائنات الدقيقة. طلب من أروان أن يحضر له انبوبة قطرها 40 سم وارتفاعها مترين ، على أن تكون مغلقة من القاع ولها منفذين واحد على اليمين قرب قاع الانبوبة والآخر الى اليسار في أعلى الأنبوبة. ثم طلب منه أن يجمع كمية كبيرة من الحصى الصغير والمتوسط الحجم من ضفاف النهر. وأن يختار الحصى النظيف الخالي من الطين أو المواد العضوية المتحللة. لتصبح هذه الطبقة  بمثابة مرشح أولي لحجز الجزيئات الكبيرة من الطين والأوساخ والأوراق الصغيرة . بعد الحصى، طلب من أروان أن يحضر له رملًا خشنًا نسبيًا من مناطق قريبة. كان هذا الرمل أكثر دقة من الحصى وسيساعد في حجز الجزيئات الأصغر التي مرت عبر الطبقة الأولى .أما الطبقة الثالثة فجعلها من الرمال الناعمة جدًا، لتكون هذه الطبقة الأكثر دقة من بين الطبقات لتعمل على حجز الطحالب الدقيقة والكائنات الحية الصغيرة . وبعد ذلك إستعان عَلِيِّ  بنوع من النباتات الليفية الطويلة التي تنمو بكثرة في المنطقة. قام بتجفيف الأوراق وسيقان هذه النباتات ثم قام بتفكيكها إلى ألياف دقيقة، ثم وضع طبقة سميكة من هذه الألياف لتعمل  كمرشح إضافي وحاجز طبيعي لإحتجاز أي جزيئات دقيقة متبقية .أما الطبقة الأخيرة فجعلها من الأخشاب المتفحمة وقام بتكسيرها إلى قطع صغيرة ووضعها كطبقة عليا في مرشحه البدائى لتساعد على إمتصاص الروائح والألوان غير المرغوب فيها ثم قام بتوجيه مياه النهرالملوثة الى الفتحه السفلية من مرشحه البدائى . . وبينما كانت المياه تصعد عبر الطبقات المختلفة، كانت الجزيئات العالقة والطحالب والكائنات الدقيقة تُحجز تدريجيًا في الفراغات بين حبيبات الحصى والرمل والألياف. في النهاية، كانت المياه التي تتجمع وتخرج من أعلى أكثر صفاءً ونظافة بشكل ملحوظ .

قام عَلِيِّ  بشرح أهمية غلي الماء بعد ترشيحه لقتل أي كائنات دقيقة متبقية قد لا تكون المرشحات قد أزالتها تمامًا.

 بعد بضعة أيام من إستخدام نظام الترشيح هذا، بدأت جودة المياه في التحسن بشكل كبير، وبدأت أعراض المرض في التراجع بين السكان، مما عزز مكانة عَلِيِّ  كشخص ذي حكمة ومعرفة قيمة في هذا العالم. هذه الأفعال بدأت تمنح عَلِيِّ  شعورًا بالقيمة لم يجده في عالمه.

قال زُهير وهو يشاهد عَلِيِّ  ينجح فى تنقية مياه النهر:

- لديك موهبة يا عَلِيِّ  ،لقد وجدت شيئًا يمكنك تقديمه هنا، شيئًا يجعلك مختلفًا وذو فائدة عظيمة لأزوريا .

نظر عَلِيِّ  لزُهير وسأله فى فضول :

- لكنك لم تحاول إستخدام معرفتك لمساعدة نفسك ومساعدة هؤلاء؟

تنهد زُهير وقال موضحاً موقفه :

- في البداية، حاولت. لكن بمرور الوقت، شعرت باليأس. هذا العالم ليس عالمي، وقواعده ليست قواعدي. لم أستطع حقًا أن أنتمي إليه، ففضلت العزلة.

بدأ عَلِيِّ  يشعر بالراحة في هذا العالم، لكنه لم يستطع أبدا أن ينسى عالمه. بعد أيام قضاها في التعلم والمساعدة، شعر بنبض خفيف ينبعث من الكتاب في إحدى الليالي . تذكر أن البوابة فتحت في ليلة البدر في عالمه ، أما هنا فمر 15 يوماً بحسابات أزوريا التى تعلمها من زُهير . أخرج الكتاب من جيبه فإذا به يرى سطحه يتغير ويصبح كالمرآة السائلة ، رأى من خلاله صورة غرفته تتموج ."

بدت السعادة على وجه عَلِيِّ  وبدأت دقات قلبه تتسارع من فرط الحماسه فنظر لزهير قائلاً:

- أخيراً سأعود إلى وطنى ، لا أصدق ما تراه عيناى .

نظر إليه زُهير بحزن وقال :

- هل ستتركنى يا عَلِيِّ  ، لقد تغيرت حياتى منذ جئت إلى هنا ولا أتصورها بدونك .

ربت عَلِيِّ على كتف زُهير وقال :

- يمكنك العودة معى يا صديقى .

تجمدت نظرة زُهير للحظة، وكأن كلام عَلِيِّ  أيقظ شيئًا خامدًا في داخله، فإرتسمت على وجهه تعابير متضاربة ، مابين دهشة وحزن وصَمَتَ برهة ثم قال بصوتٍ مرتعش:

-أعود معك... إلى مصر؟ هل... هل هذا ممكن حقًا؟ بعد كل هذه السنوات...

 قال عَلِيِّ  راجيا زُهير أن يأتى معه:

- نعم يمكنك أن تأتي معي يا زُهير. يمكنك أن ترجع لعالمك الأصلى. 

نظر زُهير حوله، إلى الأشجار الفضية والسماء ذات الشمسين، وكأن هذا العالم الغريب يحتجزه بقيود غير مرئية.ثم قال وصوته يقطر مراره :

- عالمى... لقد نسيته تقريبًا. سماء زرقاء واحدة ، يزينها شمس واحدة.. ليل مظلم ، ينيره القمر بضعة أيام... هل ما زال كما هو؟ هل ما زال هناك مكان لي؟

قال عَلِيِّ  وكله أمل أن يأتى زُهير معه :

- بالطبع هناك مكان لك ..قد يكون الأمر غريبًا في البداية، لكنك ستعتاد عليه. يمكنك أن تبدأ حياة جديدة. لن تكون وحيدًا بعد الآن ، صدقنى.

تردد زُهير طويلًا. مشى خطوات قليلة ذهابًا وإيابًا أمام كهفه الصغير، وعيناه مثبتتان على الأرض. ثم إلتفت لعَلِيِّ وقال :

 - لا يا عَلِيِّ ... لا أعتقد أنني أستطيع.

تعجب عَلِيِّ من قوله وقال محاولاً إقناعه :

- لماذا؟ ألا تشتاق إلى عالمك؟ إلى... إلى أي شيء مألوف هناك ؟

رفع زُهير رأسه ونظر إلى عَلِيِّ  بعينين تحملان يأسًا عميقًا وقال :

 - لقد مر وقت طويل يا عَلِيِّ . وقت طويل جدًا. ذكرياتي عن عالمي أصبحت باهتة، وكأنها حلم بعيد. لم أعد أعرف من أنا هناك. لقد تغيرت. لقد اعتدت على هذا المكان، على عزلتي.

نظرعَلِيِّ لزُهير وقال آسفاً:

- لكنك ستكون وحيدًا هنا إلى الأبد!

هز زُهير رأسه ببطء وقال والحزن يقطر من كلامه :

- ربما. لكنها وحدة مألوفة. لقد تعلمت كيف أتعايش معها. العودة إلى عالمى... ستكون بمثابة ولادة جديدة، بداية من الصفر في مكان لم أعد أنتمي إليه. الخوف من المجهول هناك... أصبح أكبر من الرغبة في العودة إلى ما نسيته.

نظر زُهير إلى عَلِيِّ  بعينين دامعتين وقال بعد لحظة صمت قصيرة :

- شكرًا لك يا عَلِيِّ ... شكرًا لك على عرضك. لكن هذا العالم... على الرغم من قسوته في بعض الأحيان إلا إنه أكثر رحمة من عالمى الذى ولدت فيه لذا قررت أن أبقى هنا.

أدرك عَلِيِّ  أخيرًا أن الوحدة الطويلة التي عاشها زُهير في هذا العالم الغريب جعلته يخاف من مواجهة عالمه القديم ... أخيراً ودع عَلِيِّ  زُهير بحزن، ووعده بالعودة لزيارته عندما يصبح القمر بدرا .

وضع عَلِيِّ  يده على الكتاب، وشعر بالتموجات تبدأ. نظر إلى زُهير للمرة الأخيرة قبل أن يعود إلى عالمه.

 ليجد أن الوقت لم يمر على الإطلاق.

لقراءة الفصول السابقة من الرواية
إضغط على الثلاث شرط بجوار إسم المدونة ( ظل القلم ) ستفتح لك قائمة إهبط إلى أسفلها ،  أدخل على زرlabel وأختر novels

Comments

  1. بابالتوفيق ان شاء الله
    سلمت اناملك

    ReplyDelete

Post a Comment

Popular Posts