مرآة القمر - الفصل الرابع - بين شمسين وقمر
عاد عَلِيِّ إلى حجرته مرة ثانية، ووجد كوب الشاي الذى ارتشف منه بضع رشفات قبل أن ينتقل إلى أزوريا لازال دافئا ، والساعة المعلقة على الحائط تشير الى نفس وقت رحيله الى أرض أزوريا. للحظة، شك فيما إذا كان كل ما مر به مجرد حلم يقظة ؟ وتسائل ، هل كل تلك المناظر الخلابة والأشجار الفضية والسماء ذات الشمسين مجرد نتاج خيال جامح؟
لكن نظرة خاطفة إلى الكتاب الأسود اللامع المستقر على الطاولة بجوار سريره بددت كل شك لديه. ملمسه البارد المألوف ونقوشه الذهبية الغريبة كانت دليلًا قاطعًا على حقيقة ما حدث. انصرف بصره إلى الكيس الصغير المصنوع من الجلد الناعم المستقر إلى جوار الكتاب، وبداخله كانت تتلألأ قطع ذهبية ذات شكل نجمي غريب، "دموع الشمس" كما سماها سكان أزوريا . أخرج عَلِيِّ إحدى القطع الذهبية وتأملها في ضوء الغرفة. كان المعدن أصفى وأكثر بريقًا من أي ذهب رآه من قبل. شعور غامر بالدهشة والفرحة تملكه. ربما كان هذا هو طريقه للخروج من تلك الدوامة الاقتصادية التي تبتلعه....
تنهد بعمق وهو يستعيد في ذهنه صورة زُهير وكلماته الأخيرة. لقد تركه وحيدًا هناك، لكن هذه المرة كانت الوحدة تحمل طعمًا مختلفًا. لم تكن وحدة الفراغ واليأس التي اعتاد عليها في أزوريا، بل كانت وحدة مصحوبة بذكريات صداقة غريبة نشأت في ظروف استثنائية.
نهض عَلِيِّ وتوجه نحو النافذة، نظر إلى السماء الملبدة بغيوم دخانية تخفي نور القمر، فتذكر ضوء الشمسين الساطعتين في أزوريا ، وتمنى أن يمر الشهر سريعاً ليعود القمر بدرًا مرة أخرى ، حتى يستطيع العودة إلى هناك .
***
صباح جديد يدفع به للذهاب إلى عمله في رتابة مملة، لكن شيئًا ما بدا مختلفًا. لم تعد ضغوط العمل وعواصف المدير تثقل كاهله بنفس القدر. كانت هناك نافذة أخرى مفتوحة في ذهنه على عالم ينتظره خلف الغلاف الأسود اللامع. حتى سارة، عندما رآها منهمكة في عملها في المعمل، بدت له أكثر إشراقًا، وكأن نورًا خفيًا يشع من عينيها البنيتين الدافئتين.
خلال استراحة الغداء، جلس عَلِيِّ بمفرده في حديقة الشركة الصغيرة، وأخرج الكتاب من حقيبته. تأمله مليًا، محاولًا فهم السر الكامن وراء هذه البوابة العجيبة. لم يكن مجرد كتاب، بل كان مفتاحًا لعالم آخر، وربما لمستقبل مختلف. تذكر كلمات زُهير عن أهمية فهم كيفية عمل الكتاب. ربما كانت عودته إلى أزوريا ليست مجرد مسألة انتظار اكتمال القمر، بل تتطلب فهمًا أعمق لقوة هذا الشيء الغامض.
النقوش الدقيقة على الغلاف بدت له الآن وكأنها رموز ذات معنى، ربما كانت خريطة أو تعليمات مشفرة. مرر إصبعه عليها مرارًا وتكرارًا، محاولًا التقاط أي تفاصيل قد تكون فاتته من قبل لكنه لم يصل لشيء.
وعندما غربت شمس عالمه الوحيدة، ذهب عَلِيِّ إلى بيت جده. كان يشعر بحاجة ملحة لمشاركته ما حدث معه، جده الذي يمتلك حكمة الماضي. عندما رآه يجلس في فناء الدار يحتسي الشاي كعادته، شعر بارتياح غامر، إرتياح من عاد لوطنه بعد طول غياب.
عندما وقعت عينا جده عليه استقبله بابتسامة عزبة فاتحاً له زراعيه .
بالنسبة لجَده فإن عَلِيِّ لم يغب إلا يوماً واحداً فقط، لكن عَلِيِّ احتضنه بقوة وأخذ يقبله بين عينيه وفوق جبينه فتعجب الجد من حفيده وسأله مستفسراً.
- ما هذا يا ولد، ألم تزورني يوم أمس ؟ لماذا تتصرف كأنك لم تراني منذ وقت طويل .
ابتسم عَلِيِّ ابتسامة غامضة وقال :
- نعم بالفعل أنا لم أراك منذ شهر كامل. لكن دعنا نذهب للداخل أولاً.
قص عَلِيِّ لجده كل ما مر به، وكيف أن الكتاب الأسود الغامض الذي استعاره منه نقله لعالم آخر ولم يسمح له بالعودة إلا بعد مرور شهراً كاملاً ، لكنه عندما عاد وجد الوقت لم يمر على الإطلاق.
ثم صمت عَلِيِّ، فنظر إليه الجد بعينين تحملان مزيجًا من الدهشة والتفكير العميق، ثم مرر يده المتجعدة على ذقنه وقال ببطء:
- حقاً إن هذه الدنيا مليئة بالأسرار والعجائب التي لا ندركها. لكن لا تعود إلى هناك مرة أخرى يا عَلِيِّ فأنت لا تفهم كل أسرار الكتاب وقد تعرض نفسك للهلاك.
اختفت الابتسامة من وجه عَلِيِّ مع كلمات جده الأخيرة ، فقال محاولاً إقناع جده بالسماح له بالذهاب إلى أزوريا مرة أخرى فأخرج الكيس الصغيرالجلدى من جيبه وفتح كفه ليُظهر "دموع الشمس" الذهبية المتلألئة.
اتسعت عينا الجد في دهشة وهو يتأمل القطع الذهبية الغريبة ، لأنه لم ير مثل هذا الذهب من قبل فقال متعجباً:
- ما هذا يا بني؟ من أين لك بهذا؟
قص عَلِيِّ على جده قصة مكافأة الشيخ روهان له، وكيف أن هذا الذهب هو عملتهم المتداولة. وإنه أمامه الكثير من الفرص ليؤدي لأهل أزوريا الخدمات ويأخذ دموع الشمس في المقابل . ثم سأل بتردد:
- هل تعتقد أن هذا الذهب يمكن بيعه هنا؟
تناول الجد قطعة من دموع الشمس وأخذ يقلبها بين أصابع يديه وينظر إليها في حيرة واندهاش ثم أعادها إلى حفيده وقال:
- يبدو أنه ذهب نفيس وعالي الجودة. أعرف صائغًا أتعامل معه منذ زمن طويل، وهو خبير في المعادن الثمينة. سآخذك إليه ليفحصه ويقدر قيمته.
***
في اليوم التالي، اصطحب الجد عَلِيّاِ إلى محل الصائغ القديم. فحص الصائغ القطع الذهبية بعناية، مستخدمًا عدسته المكبرة وأدواته الدقيقة وسرعان ما ارتسمت على وجهه علامات التعجب والدهشة كما حدث مع الجد.
ثم وضعها بداخل الكيس الجلدي وصرف بصره للجد وقال:
- لم أر ذهبًا بهذه النقاوة والجمال من قبل، هذا عيار نادر جدًا. من أين حصلت عليه يا حاج حسين؟
أجاب الجد في غموض:
- هدية وصلتني من بلاد بعيدة.
بعد فحص دقيق، عرض الصائغ مبلغًا كبيرًا نظير القطع الذهبية. كان المبلغ يفوق كل ما كان يحلم به عَلِيِّ. شعر بدوار خفيف وهو يستوعب أنه أصبح ثريًا فجأة.
في الأيام التالية، انكب عَلِيِّ على دراسة الكتاب الأسود. كان يحمله معه أينما ذهب، يتفحصه في ضوء النهار وفي الليل، محاولًا فك شفرة نقوشه الغريبة. بدأ يرسم هذه النقوش في دفتر صغير، ويقارنها بأي رموز أو كتابات قديمة رآها أو قرأ عنها. لكنه فشل في الاهتداء لمعاني هذه النقوش .. كانت كلمات جده التحذيرية ترن في رأسه عن خطورة العودة إلى أزوريا دون فهم كامل للكتاب ، وكمحاولة أخيرة منه قام بتصوير بضع صفحات من الكتاب وأرسلها إلى برنامج الذكاء الاصطناعي فكانت إجابته محبطة له للغاية ...
"هذا التنسيق غير قابل للقراءة ضمن برمجتي الحالية. لا يمكنني معالجة هذا النوع من المعلومات."
وعندما تملكه التعب بلا طائل قرر أن يشترى ملابس جديدة، ويخرج ليتنزه في أفخر الأماكن، وحتى أنه فكر في الانتقال إلى شقة أكبر. لكن الأهم بالنسبة له كان تحقيق حلمه بالزواج من سارة.
لذلك قرر مفاتحتها في الزواج، لكن رد فعل سارة كان صدمة، نظرت إليه بعينين متسعتين ومليئتين بالشك والريبة وقالت وهى تشير إليه بأصابع الاتهام :
- من أين لك بكل هذا المال فجأة يا عَلِيِّ؟ إن راتبك بالكاد يكفي معيشتك. هل فعلت شيئًا مخالفًا للقانون؟ هل تورطت في شيء مشبوه؟
الصدمة ألجمت لسانه فلم ينطق بكلمة واحدة يدافع بها عن نفسه. فقالت له قبل أن تنصرف وتترك له المكان:
- آسفة.. لا أستطيع أن أثق في رجل يخفي عنى مصدر ثروته.
شعر بخيبة أمل شديدة. فقد ظن أن المال سيحل كل مشاكله، لكنه بدلاً من ذلك خلق حاجزًا بينه وبين الإنسانة الوحيدة الذي أحبها بصدق. أدرك أن المال وحده لا يكفي لكسب القلوب، وأن الثقة هي أساس أي علاقة حقيقية.
وذات مساء، بينما كان يجلس وحيدًا في حجرته، نظر إلى الكتاب الأسود اللامع المستقر على الطاولة. وقال في نفسه " ربما كان عالم أزوريا يحمل في طياته ثروة، لكنه أيضًا يحمل معه الخوف من المجهول."
شعر بنبض خفيف ينبعث من الكتاب. نظر إليه بتمعن فرأى النقوش تتوهج بضوء خافت، تمامًا كما حدث في الليلة التي انتقل فيها إلى أزوريا للمرة الأولى. رفع عينيه إلى النافذة فرأى القمر بدراً كاملاً ينير سماء القاهرة بنوره الفضي.
إذًا، كانت فرضيته صحيحة. ضوء القمرعندما يكون بدراً هو المفتاح. لكن لماذا؟ وما هي العلاقة بين نورالقمر والكتاب الأسود؟
شعر عَلِيِّ بالتردد هل يذهب إلى هناك أم يسمع كلام جده... مد يده إلى الكتاب بيد مرتعشة ، وشعر بالبرودة تجمد أوصاله. كانت المرآة السائلة تتشكل على الغلاف ببطء، تدعوه إلى المغامرة من جديد.
اختفى عنه الخوف الذي سيطر عليه من لحظات. وحل محله رغبة في الاكتشاف والفهم. كان يحمل معه ذكريات صداقة زُهير ووحدته، ووعدًا ضمنيًا بالعودة إليه. وبينما كان يمد يده نحو الكتاب، كان يسمع كلمات جده تتردد بين جنبات رأسه " لا تعود إلى هناك مرة أخرى يا عَلِيِّ فأنت لا تفهم كل أسرار الكتاب وقد تعرض نفسك للهلاك ."
نهاية الفصل الرابع .. إنتظرنا الإثنين القادم لقراءة الفصل الخامس من رواية مرآة القمر
لقراءة الفصول السابقة من الرواية
إضغط على الثلاث شرط بجوار إسم المدونة ( ظل القلم) ستفتح لك قائمة إهبط إلى أسفلها ، أدخل على زرlabel وأختر novels

.png)

Comments
Post a Comment