عداد الحياة

 


عم حسين ، سائق تاكسي ورث مهنته أباً عن جد ، إيقاف شوارع الإسكندرية كما حفظته .مر العمر به وهو يربط كما يدور عداد التاكسي . تزوجت من بهية ابنة الجيران منذ ثلاثة ولما عُمر ثمرة زواجه . يستيقظ مع آذان الفجر ليذهب إلى المسجد ليؤدي صلاة الفجر ثم يعود أدراجه إلى بيته ليتناول فطوره ويذهب طالباً لرزق يومه، خبرته تساعده في معرفة المناطق التي تطلب منها رزقه حتى لا يهلك ويستنزف وقودها بلا طائل، ومع دقات الساعة مساءا يعود أدراجه إلى بيته . ذلك البيت الذي ورثه عن أبيه في منطقة العصافرة بحرى بمدينة الإسكندرية . كان ولداً وحيداً لأبيه يريد أبيه حياةً أخرى وقد كان يأمل أن يكمل تعليمه ويحصل على تعويض، لكن الفرحة الشديدة كان له رأي آخر فقد توفي والده وهو بعد السنة الأولى في كلية التجارة ولم يتمكن من أسرته دخل غير هذا التاكسي العتيق . لذلك لم يكمل وأكمل مشوار معه لكى يعول نفسه وأمه . ولكنها يومخته فاتحه في أن تخطب له بهية ابنة جيران التي تسكن في البيت المجاور، وعندما يعارضها لا يوجد اختلاف في فتح بيت في هذا الوقت، أم تختلف بأمه تذلل له إجراءات، عقبة تلو الأخرى.. فتارة تقول له أن البنت توافق أن تعيش معها في نفس البيت وأخرى تتعلم كبرت ولم تعد تقوى على خدمته ورعاية البيت.. ومرة تذكر لن تطلب أكثر من دبلة دهب وجهاز غرفة نوم فقط.
حتى وافق على قبول نفسه عام أباً لطفل جميل سماه عُمر وزوج لفتاة جميلة هادئة الطباع حنونه تطيعه وتلبى طلباته وطلبات أمه .. سارت فهو هادئ بمظهره دائماً كان يعيش فى سجن صنع جدرانه بنفسه فقد يطارده هاجس ان يموت قبل أن يطارده هاجس ان يموت قبل أن يفشل لبر الأمان وينهى حتى ويحقق الفشل في النهاية وأخيراً خريج جامعة في كلية مرموقه . 
لم يكن هذا الهاجس شر على طول الخط لأنه كان السبب في رئاسته لشخصيته ،فلم يشرب سيجارة ولم يدخن أرجيلة قطت في حياته . كما كان يسوق بعقلانية ولا يتجاوز السرعة لضغط الزوار لدى العملاء الذين يموتون في حادث أو يُدمر مصدر رزقه. كذلك حرصت على دفع تكاليف الاشتراك في التأمين الصحي حتى التفاصيل إذا كان الشيء عنده معاش ياعوله .
 لم يقم كسائر أبناء مهنته ، فلا هو يتدخل في مكالمة زبون يقوم به ولا يزعجه بأحاديث لا يقومون بها . لم يأخذ يوم أجازه لحرصه على عدم تضييع دقيقة ممكن أن تدر عليه قرشاً زائداً يعينه على بيته . يتبع كان نظاماً صارما ما توزيعه في الجزء العلوي من المجموعة ولا يقدمان أي مشروب على أي يضعه ذو السمعة الطيبة، فسيمارته لادا قديمة موديل 85، رفيقة دربه وكفاحه يتميز بوجود إنسان له قلب ومشاعر ، صوت الماتور ، صوت ما مقترف أو أي دخن غير طبيعي ينبعث منها، تعلم ميكانيكا السيارات وستتمكن من منحها الكثيرة مجاناً، فلا يلجأ للميكانيكي إلا في الأعجوبة فقط .
كان يخصص السيارة ستون من دخله الشهري ما بين البنزين وصيانة الدورية وإعطاءال المفاجأة ، كذلك حرص على دفع أقساط التأمينات الاجتماعية لخوفه من الإعاقة أو غير واثقة حتى لا تسأل الناس . 
أما عُمر ابنه وقرة عينه ، كان نعم الابن بحق .. كان يشعر بأبيه فلا يثقل عليه بمصرفات يمكن الاستغناء عنها . كان يعمل أثناء الإجازة الصيفية في ورشة ميكانيكا تقع فى نفس الحى الذى يسكن فيه ، ولم يختار المهنة عبثاً فقد أراد أن يفهم كل شيء يخص سيارة أبيه وفى نفس الوقت يفهم دهاليز المهنة حتى لا يتعرض أبيه لأى استغلال ، حتى إذا وصل لعنق الزجاجة التعليمية " الثانوية العامة " دفعه أبيه دفعاً للتركيز في دراسته راجياً أن يحقق حلمه القديم في إكمال تعليمه الجامعي .
كان عُمر يعي ما ينصحه به والده وكان له حلمه الخاص ، أن يحصل على مجموع كبير يؤهله لكلية التمريض ، لم يكن شاباً تافهاً ، أول تليفون زكى حصل عليه من عمله في الإجازة الصيفية عندما كان في المرحلة الإعدادية . لم يثقل أبيه بالكثير من المصاريف وقرر متابعة دروس القنوات التعليمية على يوتيوب أما الملازم والمذكرات فقد حصل عليها من أحد جيرانه. كان مقتنع أن التنقل بين المعاهد لتلقى الدروس كانت مضارها أكثر من نفعها ما بين إهلاك الوقت ومضيعة للمال . واصل الليل بالنهار لتحقيق حلمه وحلم والده.. حتى جاء اليوم الموعود
جلس إلى جوار أمه وجدته في انتظار أن يخف الضغط عن موقع الوزارة ليعرف النتيجة ، مر الوقت ولم يفلح في الوصول للنتيجة حتى شعر بصوت مفتاح أبيه يدور في طبلة الباب .
دخل عم حسين والفرحة تزغرد على وجهه واندفع إلى ابنه ليحتضنه ويقبله بين عينيه ويزف إليه نبأ حصوله على خمس وتسعون في المائة ثم جلس لالتقاط أنفاسه وقال :
- حبيب قلب بابا ، نعمة ربنا عليه وتعويضي لتعب أيامى ولياليه ألف ألف مبروك وعقبال ما أهنيك لما تبقى دكتور كبير وترفع رأسي .
طفرت الدموع من عيون الجدة بينما أطلقت الأم زغرودة واندفعت للمطبخ لتعد الشربات ، بينما قال عُمر في سعادة وبنبرة هادئة :
- بابا حبيبي ، بعد إذنك أنا حدخل كلية التمريض مش كلية الطب .
نزلت كلمات عُمر على رأس أسرته الصغيرة كالصاعقة فقال الأب معترضاً.
- ليه يا حبيبي ؟ ، حد يسيب الطب ويدخل تمريض ؟
أما جدته فإنبرت هي الأخرى ووقفت إلى جوار وحيدها قائلة :
- يا بنى إنت إتجننت، تمريض إيه وزفت إيه؟
كانت الأم في المطبخ تُعد الشربات ودخلت عليهم وفى يدها صينية بها دورق شربات وبعض الكؤوس التي كانت تنوى توزيعها على الجيران فرحةً لنجاح وحيدها لكنها وجدتهم واجمين فقالت مستفسرة :
- حصل إيه؟ مالكم متنحين كده؟
قال عم حسين في غضب :
- ابنك الحيلة عاوز يرمى مجموعه في الزبالة ويدخل تمريض .
اتسعت عينا الأم وتساءلت :
- صحيح يا عُمر؟
أخذ عُمر نفس عميق ثم زفره في بطء وقال في هدوء :
- بابا ، ماما ، تيتة .. اسمعوني من فضلكم ومحدش يقاطعني ، أنا عايز أدخل كلية التمريض بالذات عشان الكلية دي اولا أربع سنين مش سبعة ، تانى حاجة أقدر أشتغل ممرض من وانا في سنة أولى . مستشفيات كثير بتسمح بده، ثالث حاجة فرص الشغل بره مصر مبيشترطش شهادة خبرة كبيرة ولا معادلة. ثالث حاجة وده الأهم أعتقد من حقي أحدد مستقبلي ولا أنا غلطان .
لم يقتنع عم حسين بكلام ابنه عُمر ، وبدى الحزن في عينيه بعد أن تم وأد فرحته في مهدها فقال لينهى الحديث .
- إنت حُر يا عمر اعمل اللي إنت عاوزه .
ثم توجه بالكلام إلى زوجته لتجهز له الغداء سريعا ليذهب لاستكمال عمله ، فأومأت برأسها وذهبت لتعد له الطعام بلا حماس.
***
لم يقتنع عم حسين بكلام ابنه عُمر ، وبدى الحزن في عينيه بعد أن تم وأد فرحته في مهدها فقال لينهى الحديث .
- إنت حر يا عُمر اعمل اللي إنت عاوزه .
ثم توجه بالكلام إلى زوجته لتجهز له الغداء سريعا ليذهب لاستكمال عمله ، فأومأت برأسها
وذهبت لتعد له الطعام بلا حماس.
***
الأيام تدور في رتابة بعم حسين وهو يقضى يومه بين شوارع الإسكندرية لنقل زبائنه هنا
وهناك ما بين شاب متعجل يصرخ فيه ليٌسرع ، أو سيدة عجوز ينزل عن مقعده ليعاونها
لصعود السيارة أو زبون ثرثار يُصر أن يستمع له حتى ينهى قصته وأحيانا أخرى تدفعه
سيارته العجوز لقضاء يومه عند الميكانيكي لإصلاحها فينتهى اليوم به دون أن يجنى قرش واحد بل على العكس تماما وقد انفق المال .
حتى جاء يوم شعر أنه لا يستطيع التقاط أنفاسه بينما نبتت حبات العرق على جبينه ثم صرخ
منتصف صدره بآلام مبرحه، وشعر بخذلان يده اليمنى وإفلاتها لعجلة القيادة فضغط على
كابح الفرامل بشكل غريزي لتتوقف السيارة مع صوت الراكب وهو يعترض على توقف عم
حسين المفاجئ ، لم يستطع أن يرد عليه بكلمة واحدة لأنه سقط في هوة سحيقة بدون نهاية .
***
عاد إليه وعيه بشكل تدريجى واستطاع أن يُميز صوت أمه وزوجته وابنه عُمر وصوت رجل
آخر. فتح عينيه في تثاقل ودار بهما في المكان ليجد نفسه ممدد على سرير في مستشفى
وبجواره عمود معلق عليه محلول، بينما يقف عُمر ابنه يتحدث مع الطبيب ، أما زوجته فكانت
جالسة إلى جواره. تسائل عما حدث له فأجابت:
- كنت عارفة إن دي حتكون أخرتها . طول عمرك دماغك ناشفة ومبتسمعش لحد، صحتك
كانت آخر أولوياتك، بتشتغل زي المكنة ومفيش حتى يوم أجازه تريح فيه جتتك . واحد اتصل
بعُمر ابنك بلغه إنك أغمى عليك وانت بتوصله فطلب منه يجيبك على المستشفى اللي بيشتغل
فيها. والدكتور..
اختنقت الكلمات في حلقها فأجهشت بالبكاء ، فانصرف بصره إلى الطبيب يسأله في صوت
واهن :
- عندي إيه يا دكتور ؟ أنا عمرى ما اشتكيت من حاجة ؟ طول عمرى صاغ سليم .
نظر الطبيب إليه وقال مبتسما:
- إحمد ربنا إنك وقعت في ايد واحد ابن حلال جابك المستشفى بسرعة .. كنت حتروح فيها.
ثم صرف الطبيب نظره لعُمر وألقى إليه تعليمات جديدة في علاج والده . لكن عم حسين كرر
السؤال دون أن يوجهه لأحد هذه المرة:
- يا عالم أنا عندي إيه ؟ أنا عمرى ما دخلت مستشفى قبل كده ولا اشتكيت من حاجه .
نظرت له زوجته وقالت من بين دموعها :
- إنت نسيت إنك دايما كنت بتشتكى من صداع وتبلع في مسكنات وخلاص .
انصرف الطبيب من حجرة عم حسين بينما شرع عٌمر في إضافة بعض الأدوية إلى المحلول
وقال في حنان :
- بابا ..ممكن تهَدى نفسك شوية .. إنت كنت بتعانى من ارتفاع في ضغط الدم لفترة طويلة
بدون علاج وده للأسف أثر على قلبك .
استقبل عم حسين كلام ابنه كصاعقة ضربت كل أجزاء جسده بلا رحمة فانهمرت الدموع من
عينيه وقال في وهن :
- قلب .. أنا صاغ سليم وما بشتكيش من حاجة ، ده مجرد إجهاد وتعب .. أدوني أي حاجه أنا
عندي شغل .. مينفعش الرقدة دي .. إنت حتعمل عليا دكتور يا ولد.
اقترب عمر من والده يمسح دموعه ثم قبله بين عينيه وقال :
- لازم تستريح فترة يا بابا لحد ما تخف ومتشغلش بالك بالشغل دلوقت .
لم يسمع عم حسين جملة ابنه الأخيرة لأنه عاود النوم من جديد تحت تأثير الأدوية ..لم يكن يعانى من مرض عارض كما ظن، فهذا الجسد الذي تحامل عليه صاحبه وحَرمه من أبسط حقوقه إنهار في النهاية تحت وطأة المرض.
بعد مرور يوم في المستشفى أظهرت القسطرة التشخيصية وجود ضيق فى الشرايين التاجية
فكان لابد من إجراء عملية أخرى لتركيب دعامات لها.
وقعت الأسرة بجانب مُصابها في عائلها في أزمة مالية شديدة . فلم يكن في البيت غير مبلغ
عشرون ألف جنيه كان يدخره عم حسين من أجل صيانات سيارته المفاجأة. فقد كان يحرص
على صحة السيارة، ونسى تماما أنها بدونه لن تستطيع الإنفاق على الأسرة .
تآكل المبلغ البسيط سريعا، لأن عُمر رفض إدخال والده مستشفى حكومية ، فبصفته يعمل في
المجال الطبي، يفهم جيداً ما يحدث هناك لذلك كان خياره الأوحد إدخال والده في المستشفى
الاستثماري الذى يعمل فيها بجوار تكليفه في المستشفى الحكومي .
باعت الأم حُليها الذهبية لتكمل علاج زوجها حتى خرج من المستشفى وعاد لبيته بعد تحذيرات مشدده من الأطباء بعدم عودته نهائيا لمهنته السابقة .
جلس عُمر بجوار والده و قبله بين عينيه وقال له في حنان :
- لازم يا بابا تأخذ الدواء في ميعاده ، كمان لازم تستريح عشان ميحصلش حاجه تانية لا قدر
الله وكفاية شغل لحد كده.
شعر عم حسين بغصه في حلقه فابتلع ريقه وقال :
- عايز تقول انى محتاج دلوقت رصاصة رحمة زي خيل الحكومة .. أزاي أعقد في البيت ؟
وحنصرف منين وحنجيب حق الدواء منين .. على آخر الزمن عايزنى أبقى عاله عليك.
ربت عُمر على كتف أبيه وقال مدعيا الغضب :
- يقطع لسان اللي يقول عليك كلمة زي دي .. يابابا انت فاضلك ثلاث شهور وتوصل للستين
.. والحمد لله طول عمرك بتعمل حساب الصغيرة قبل الكبيرة وكنت بتدفع قسط تأمينك في ميعاده. وكبرتني وعلمتني ، وانا الحمد لله دلوقت شغال في المستشفى الاستثماري جنب شغلي في الحكومة. الاستثماري وأهو معاشك جنب شغلي الدنيا تمشى .
في هذه الأثناء دخلت الأم تحمل أكواب الشاي وقالت وهى تناول كل منهما كوبه .
- ما تأخذنيش يا سي حسين انت لازم تبيع العربية .. إنت محتاج لتمنها من ناحية ومن ناحية
تانية ركنتها حتبوظها .
نزلت عبارة الابن والزوجة على رأس عم حسين كطوفان لا يبقى ولا يزر فقال في يأس لا
يخلو من انفعال :
- بقيت عالة عليكم خلاص ، عربيتي اللي قضينا عمرنا سوا هتتباع ؟ طب وأنا أعمل إيه ؟..
آكل وأشرب وأستني موتى.
ثم رفع يده للسماء من بين دموعه وقال :
- يارب أنا طول عمرى خايف أموت عشان مسيبش بيتي للحوجة ، عمرى ما جه في دماغي
إن أرقد من غير شغله ولا مشغله . رحمتك يارب. يارب خدني وريحنى .
دخلت الجدة فوجدت وحيدها على هذه الحالة فاحتضنته وقبلت رأسه وقالت له مواسيه:
- في إيه يا واد يا حسين ؟ مالك مكبر الحكاية كده، هو إنت عجبه بين الناس !!.. الموظفين
لما بتوصل ستين سنة بتقعد في البيت. دي سنة الحياة. وبعدين إنت حبيقي معاك معاشك
تصرف منه ومحدش حيجبى عليك بحاجة وده عُمر ابنك فيها إيه يعنى لما يساعد شوية في
مصاريف البيت.. أنا عارفة أن عربيتك مش أكل عيشك وخلاص، دي عشرة عُمْر ومن
ريحة المرحوم والدك، وصعب عليك تفرط فيها. بس زي ما بهية قالت ، ركنتها حتبوظها .
نظر عمر إلى جدته ووالديه وقال متحمسا:
- في حل تأنى غير بيع العربية ، أنا ميخلصنيش زعل بابا حبيبي .
نظر عم حسين إلى ولده وقد عاد له بعض الأمل وتسائل عن كيف السبيل لذلك فاقترح عليه
عُمر تحويل رخصتها إلى ملاكي فابتسم الأب وهز رأسه موافقا .
مرت الأيام على عم حسين في ملل لم يعهده ، فيومه الذى كان يمر سريعا وهو يتحرك
هنا وهناك لإيصال الزبائن أصبح يمر ببطء بسرعة السلحفاة.. أصبح يجلس شارداً يتابع
التلفاز.. أو يجلس في الشرفة يتابع المارة ولعب الأطفال أو يتأمل سيارته التي تحولت لملاكي
وهى تقف على جانب الطريق ليمر شريط ذكرياته معها كالطيف فيبتلع ريقه في حسرة.

كانت الزوجة تقضى وقتها كالعادة بين النزول لشراء متطلبات البيت والاعمال المنزلية . اما
الجدة فلم يتغير روتينها بين قراءة القرآن والتسبيح أو الذهاب إلى المسجد .
لاحظت بهية ما يمر به زوجها وإنه لا يستطيع التأقلم على وضعه الجديد، فأخذت تشجعه
على الخروج تارة إلى المسجد ليساهم في أنشطته الاجتماعية أو شراء متطلبات بسيطة من
السوق.
حتى جاء يوما عاد فيه عمر من العمل والسعادة ترقص فوق وجهه، معلنا أنه يعتزم السفر
إلى المملكة العربية السعودية بسبب قبوله للعمل في مستشفى هناك بعد أن أدى اختباراته
عبر الإنترنيت .
استقبلت الأسرة الخبر بفرحة عارمة وهى غير مصدقه ، لكن عم حسين المعتاد على حساب
كل شيء بدقه تسائل من أين له بمصاريف السفر إلى هناك فأجابه عمر :
- ما تشغلش بالك يا بابا ، تِدبر ، المستشفى أديتني فرصة ست شهور أجهز أوراقي واعمل
الشهادة الصحية والفيش والداتا فلو. أما تذاكر السفر حتبقى على حساب المستشفى وان شاء
الله سنة كده وحبقي أبعتلكم تيجوا تعيشوا معايا هناك .
قال الاب وقد اختلطت المشاعر داخله ما بين فرحة من أجل ولده وحزن من أجل فراقه :
- ربنا عوضني خير فيك يا بنى ، يارب يعطيك وما يحرمك ويرزقك ببنت الحلال اللي تريح
بالك وتسعدك.. بس إزاى أسيب بلدى بعد العمر ده كله.
قالت الأم متعجبه من قوله :
- حد يكره يعيش في المدينة المنورة .. دي فرصة متتعوضتش يا حسين .
عقب عمر على حديثهم:
- شوفتوا بقى كان عندى حق أختار كلية التمريض بالذات ، لعلمكم بقى صعب قوى على
الدكاترة يشتغلوا بره مصر، مش زى الممرضين. كمان يا بابا مصاريف الحج هناك أرخص
بكثير من هنا.
وعلى أعتاب فصل جديد من حياة عم حسين وأسرته، لم يعد عداد التاكسي يقيس الأجرة، بل
بات عداد آخر يعدّ الأيام، منتظراً ساعة اللقاء للم شمل الأسرة، حيث تتلألأ آمال الحج
والعمرة، وتشرق شمس إقامة هانئة تحت سماء الغربة التي ستصبح وطنًا ثانياً.
في تلك اللحظة، أدرك عم حسين أن أصعب المشاوير غالبًا ما تحمل في نهايتها أجمل الأقدار،
وأن الأيدي التي تعبت من أجل لقمة العيش قد حان لها أن تستريح في ظل غدٍ مشرق رسمه
وفاء ابنه عُمر .
لم يعد صوت أنبوبة العادم القديمة يمزق سكون الليل، فقد حل محله همس الأحلام المحققة،
ووعودٌ قطعتها أيادي ابن بار ليحمل عن كاهل والده تعب سنوات وسنوات .
تمت

Comments

Popular Posts